(48) سورة المائدة،وَقَالَ تَعَالَى: { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) } (1) [المائدة/103] .
وَأَمَّا لَفْظُ"التَّحْرِيمِ"فَقَالَ فِي الْكَوْنِيِّ: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} (2) (12) سورة القصص ،وَقَالَ تَعَالَى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } (3) (26) سورة المائدة.
(1) - البَحِيرَةُ هِيَ الوَاحِدَةُ مِنَ الأنْعَامِ التِي يَبْحَرُونَ أذْنَهَا ، أيْ يَشُقُّونَهَا شَقًّا وَاسِعًا ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا انْتَجَتْ خَمْسَةَ أبِطُنٍ وَكَانَ الخَامِسُ أنْثَى . وَكَانُوا يَجْعَلُونَ دَرَّهَا لِلطَّوَاغِيتِ ، فَلاَ يَحْلِبُهَا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَيُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ .
السَّائِبَةُ - وَهِيَ التِي تُسَيَّبُ بِأنْ يَنْذُرُهَا لىلِهَتِهِمْ ، فَتَرْعَى حَيْثُ تَشَاءُ ، وَلا يُحْمَلُ عَلَيهَا شَيءٌ ، وَلا يُجَزُّ صُوفُها ، وَلا يُحْلَبُ لَبَنُها إلاَّ لِضَيْفٍ .
الوَصِيلَةُ - هِيَ النَّاقَةُ البكْرُ ، تُبْكِرُ فِي أوَّلِ نَتَاجِ الإِبْلِ ، ثُمَّ تُثنِّي بِأنْثَى ، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إِحْداهما بِالأخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ .
الحَامِي - هُوَ فَحْلُ الإِبِلِ يُولدُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ ، فَيَقُولُونَ حَمَى ظَهْرَهُ ، فَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَلا يُمْنَعُ مَاءً وَلا مَرْعَى .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِهَؤُلاءِ بِأنْ يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّهُ اللهُ ، وَلَمْ يَشُرَعْ مَا شَرَعَهُ البُغَاةُ لأنْفُسِهِمْ ، وَلكنَّ الذِينَ كَفَروا يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ شَرْعًا وَقُرْبةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إليهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ ، وَأكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ .
(2) - وَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُوسَى في دَارِ آلِ فِرْعَونَ ، عَرَضُوا عَليهِ المَراضِعَ فَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَرْضَعَ مِنْ ثَدْيِ امرَأَةٍ مِنْهُنَّ ، فَخَرجُوا بِهِ إِلى السُّوقِ لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ امرَأَةً تَصْلُحُ لإِرضَاعِهِ ، فَلَمَّا رَاته أُختُهُ في أيدِيهِمْ عَرَفَتْهُ وَلم تُظْهِرْ ذَلِكَ ، وَلَم يَشْعُرُوا بِها ، فَقَالَتْ لَهُمْ: هَلْ تُريدُونَ أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلى أََهلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ حَافِظُونَ؟ فَذَهَبُوا مَعَهَا إِلى أَمِّهَا ، فَأعْطَتْهُ ثَدْيَهَا فَالتَقَمَهُ ، فَفرحُوا بذلك ، وَبَشَّرُوا امْرَأَةَ فِرْعُونَ ، فَاسْتَدعَتْ أُمَّ مُوسَ ، وأَحْسَنَتْ إِليها ، وَهِيَ لاَ تَعرِفُ أَنَّها أُمُّهُ ، ثُمَّ سَلأَلَتْها أَنْ تُقِيمَ عِندَهَا لتُرِضِعَهُ فَأَبتْ عَليها ، وَقَالَتْ لَها إِنَّ لَهَا زَوْجًا وَأَولاَدًا ، فَسَمَحَتْ لَها امرَأَةُ فِرعَونَ بأَنْ تَأْخُذَهُ ، إِلى بَيِتِها لِتُرْضِعَهُ ، وَأَجْزَلَتْ لَهَا العَطَاءَ .
(3) - فَلَمَّا دَعَا مُوسَى عَلَيهِم ، حِينَ نَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ ، قَضَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ حَرَّمَ عَلَيهِمْ دُخُولَها أربعينَ سَنَةً ، يَتِيهُونَ خِلاَلَهَا فِي الأَرْضِ ( أيْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ ) ، وَيَبْقَوْنَ مُتَحَيِّرِينَ مُتَرَدِّدينَ ، لاَ يَدْرُونَ مَصِيرَهُمْ ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ ، خِلاَلَ المُدَّةِ التِي قَضَاهَا . اللهُ عَلَيْهِمْ .
وَخِلاَلَ وُجُودِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ تُوُفِّيَ مُوسَى وَهَارُونُ ، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ، وَتَوَلَّى قِيَادَةَ بَني إسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ( وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) وَجَعَلَهُ الله نَبِيًّا فِيهِمْ ، وَتُوُفِّيَ أكْثَرُ الجِيلِ القَدِيمِ ، وَنَشَأ فِي الصَّحْرَاءِ وَالحُرِّيَّةِ جِيلٌ جَدِيدٌ . فَلَمَّا انْقَضَتِ المُدَّةُ التِي قَضَاهَا اللهُ عَلَيهِمْ ، خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ إلى إحْدَى المُدُنِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَها .
ثُمَّ سَلَّى اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَأسَفْ عَلَيْهِمْ ، وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ ، فَإنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ .
وَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيعًا لِليَهُودِ ، وَبَيانًا لِفَضَائِحِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَأمْرَ رَسُولِهِ ، ونكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا .