اقلب تصب. فإن حمل دعوى إسلام من يتفوه بما ينافي الإسلام على النفاق والتلبيس والمخادعة، مما يحتم سد الذرائع. والتفوه بالكفر قرينة تجعل استصحاب إسلام القائل ضربًا من الهزل السخيف؛ لأنه استصحاب لأصل لا وجود له بعد الكفر، قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} ،وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} وفي هذه الآيات: لم يعبأ الله بإسلام من قال كلمة الكفر بعد أن حكم عليه بالكفر. وأما تنظير: شفاني رسول الله) و (أغيثيني يا زينب) بقول العرب: (أنبت الزرع البقل) فكتنظير الشيء بنقيضه؛ إذ لا وجه للمقارنة بين الخبر والإنشاء، ولا بين ما يقبل الإسناد مجازًا وما لا يقبله؛ لأن إقدار الله الإحياء على الشفاء والإغاثة مرهون بمشيئة الله بدليل قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} وإقدارهم في حال الحياة ليس دليلًا على استمرار هذه الإقدار بعد الموت؛ لأن الأحكام تنقلب في حق الأموات بعد أن يسلبوا القدرة على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم ومن كان عاجزًا عن جلب ما ينفعه ودفع ما يضره فعجزه عن نفع غيره ودفع الضر عنه من باب أولى، ولا حجة لمن احتج بحياة الأنبياء والشهداء عند ربهم؛ لأن الحياة التي يحيونها برزخية لا نعرف كنهها، وثبوتها لا يثبت أقدراهم على النفع والضر، وما دام أن أقدار الله للحي أمر مشكوك في وقوع لتعلقه بمشيئة الله فإن الشك في أقداره للأموات من باب أولى؛ حيث لا يوجد دليل نقلي ولا برهان عقلي، ولا أثارة من علم تفيد احتمال وقوع هذا الإقدار فضلًا عن ثبوته، لذا فلا وجه للتشبيه بين الاستغاثة بالأموات والاستغاثة بالأحياء.