أولًا: إن مما لا يختلف اثنان في صحته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه كان يمرض ويعاوده المرض، ولقد ترك السم الذي أصابه من الشاة المسومة أثرًا في جسمه، وما زال يعاوده حتى لقي ربه، ولقد شج في وجهه وكسرت رباعيته يوم أحد، فلم يدفع الأذى عن نفسه، وقد ورد في الصحيحين أن ابن مسعود دخل عليه وهو في مرض موته فقال: له إنك توعك وعكًا شديدًا يا رسول الله. قال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. وحين اشتدت به الحمى أمر بأن يهريقوا عليه ماء. وكان يدخل يديه في الماء ويمسح وجهه وهو يقول: اللهم هون علي سكرات الموت. وفي كل هذه الحالات لم يرد عنه أنه ادعى القدرة على شفاء نفسه فضلًا عن شفاء غيره، بل إن في قول الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} ما لا يدع مجالًا للجدل والمكابرة.
ثانيًا: لا يخلو أن يكون المستغيث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والطالب منه الشفا معتقدًا استقلال النبي - صلى الله عليه وسلم - في التصرف عن الله أو معتقدًا الشراكة بينه وبين الله، أو معتقدًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاض عليه من الله تعالى، وممد منه بالقدرة على الشفاء، أو معتقدًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يملك غير الشفاعة في قبر والتوسط بين الله وبين العباد على شكل سمسرة.
والأول: كفر صريح، والثاني شرك قبيح، والثالث والرابع خطأ ترده الآيات الكريمة التي أمرنا الله فيها بالدعاء، ووعدنا الاستجابة حيث قال جل من قائل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وفي هذه الآيات لم يشترط علينا الاستشفاع بأحد من خلقه، ولا وساطة أحد من عباده لتتحقق الإجابة.