بل سيأتي أن غاية حجة المانعين ترك الصحابة، إلى أن قال: مع أنه لو أحرز كون ترك الصحابة كلهم المرجوحية شرعية لم يكن المحرر من المرجوحية إلا الكراهة فمن ادعى التحريم عليه الإثبات.
فإن أرجعت المسألة إلى ما لا نص فيه كانت محل الاختلاف في كون الجاري حينئذٍ هو أصالة البراءة، فيجوز الفعل، أو وجوب الاحتياط فيحرم، والحق أن الجاري فيما لا نص فيه أصله البراءة.
ونقول ردًا عليه:
ونحن نطالب المصنف بالإجابة على هذا السؤال:
هل تقبيل الأجداث والبناء عليها، وكذلك التوسل بالجاه والذات عبادة لله وقربة إليه، أم هو عبادة للمخلوق وقربة إليه؟ إن قلتم إنها عبادة لله وقربة إليه، فالعبادات والقربات لله مرجعها النقل وليس العقل، ومسندها النص وليس التأويل.
وإن قلتم إنها عبادة للمخلوق وقربة إليه كفيتمونا مؤونة الرد عليكم.
وإن قلتم إنها للبركة قلنا: إن البركة تحصل في الإتباع لا في الابتداع، بل إن البدعة هي الشؤم بعينه.
أما حمل ما لا نص فيه على البراءة الأصلية بلا قيد فأمر مخالف للقواعد الشرعية لأن الأصل في الأعمال والأقوال أن تكون مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية أما الأشياء فالأصل فيها الإباحة.
أما العبادات فهي توقيفية، ولا يجوز إرجاعها إلا إلى نص، والبراءة أصل في تركها، لا في فعلها.
لهذا لا يقال لمن ينشئ صلاة سادسة أو حجًا ثانيًا في السنة أن الأصل في ذلك البراءة، وان للمكلف أن يتعبد كما يشاء لأن هذا باطل بإطلاق، وهو أصل كل ابتداء، بل هو بمثابة استدراك على الشرع.
ولو كانت البراءة أصلًا للأعمال التعبدية لجاز إدخال ما ليس من الدين في الدين، وإدخال ما ليس من الدين في الدين، مما يتنافى مع أصولكم في التحسين والتقبيح العقليين.