الصفحة 19 من 29

قد تقدم أن الاستغاثة بالميت على وزن الاستغاثة بالحي فما الذي حلل الاستغاثة بالحين وحظر الاستغاثة بالميت، والنزاع في أن الله عز وجل قد أقدر الميت أم لم يقدره، نزاع صغروي.

ولو صح كونه تعالى لم يقد الميت لما صح إلا القول بعدم جواز الاستغاثة بالميت أم صيرورة الاستغاثة حينئذٍ شركًا فلا أصل له.

وأما الكتاب الكريم فالجواب عنه على جهة الإجمال، هو أن المانعين غفلوا عما تضمنته الآيات من تقييد الدعاء بكونه من دون الله، أو مع الله، إذ الأول كفر والثاني شرك. أما الدعاء إذا كان بالله أي بحكمه الشرعي إباحة واستحبابًا ووجوبًا فهو دعاء لله، وهذا هو كلام المجوزين.

ومن الغفلة الواضحة مقايسة الاستغاثة بالميت، مع اعتقاد أن الله أقدر الميت على ما حكاه عن بعض الوثنيين من قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} بداهة أن هذه الفرقة من الوثنيين لم يستندوا في عبادتهم لحكم منه تعالى في كتاب سماوي، أو سنة نبوية، وإنما كان ذلك من تلقاء أنفسهم، ومن ناحية أهوائهم الضالة، مضافًا إلى منع كون الاستغاثة عبادة. إلخ.

ونقول ردًا عليه:

أولًا لا بد قبل الإجابة على موضوع الاستغاثة تقديم هذا السؤال. هل القياس في أصولكم له قوة النصوص، أو بدعة تتنافى مع الأصول إن قلتم أنه أصل معتبر ناقضتم أنفسكم وخالفتم جعفر بن محمد الذي يقول: (إن أول من قاس برأيه هو إبليس) ، وإن قلتم أنه غير معتبر شرعًا سقط قولكم أن الاستغاثة بالميت على وزن الاستغاثة بالحي، لأن هذا قياس محض.

ثانيًا: أن الأصل هو عدم إقدار الله الميت، ودعوى الإقدار لا يد لها من دليل.

ثالثًا: أن الدعاء لا يكون إلا لله أو مع الله أو من دون الله، بدليل أن القرآن لم يشر إلى نوع رابع من الدعاء يسمى دعاء بالله، وعلى المدعي الإثبات إيراد الدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت