والثانية إنما سيقت لبيان حال الصلحاء يوم القيامة ونعيمهم، فالنظر فيها ظاهر في الرؤية خاصة، ولا مشاحة من صرف ظهوره وجعله مجازًا في النعم والكرامات التي يفيضها الله عليهم، وهذه كلها آثاره تعالى وأفعاله. فالنظر فيها نظر إليه عز وجل مجازًا، ويحتمل أن يكون النظر مجازًا عن اليقين به تعالى، وتأكد المعرفة به عز وجل؛ وذلك لتبين الحقائق يوم القيامة وبروزها البروز التام، فتشبه المعارف العقلية والمحسوسات المدركة بالحواس الخمس.
وقد يجمع بين الآيتين بتقريب (أن) النافية لإدراكه تعالى بالبصر نافيه له في عموم الأزمان، والمثبتة للإدراك مختصة بيوم القيامة، ومقتضى حمل العام على الخاص ثبوت رؤيا الصالحين له عز وجل يوم القيامة.
وهذا الجمع أقرب مما ذكره المصنف، إلا أنه لا موقع له بعد ما عرفت من سياق الآية في تنزيه قدسه تعالى عن أن تلحظه الأبصار الذي هو من عوارض الممكن الحادث.
ونقول ردًا عليه:
آيات القرآن متعادلة في قوة الدلالة ويقين أهل الجنة بالله لا يحتاج إلى ما يزيده تأكيدًا؛ لأنه أعلى درجات اليقين، والنعم والكرامات التي يفيضها الله عليهم ليست بأقوى برهان، ولا أشد وضوحًا من آياته في خلق السموات والأرض، وفي خلق أنفسهم.
لذا فإن صرف دلالة الآيات القرآنية عن ظواهرها إلى المجاز (لغويًا أو عقليا) تصرف بلا سند، وتحكم بلا دليل.
زد على ذلك أن كثيرًا من العلماء منهم الظاهرية، وبعض الشافعية وبعض المالكية، قد أنكروا وقوع المجاز في القرآن حيث قالوا: إن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزه عنه، ذلك أن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة، فيستعير، وذلك محال على الله تعالى).
لذلك: فلا بد من الجمع بين الآيتين بحمل آية النفي على التخصيص في الدنيا وحمل آية الإثبات على التخصيص في الآخرة.
وفي ص (110) يقول:
إن السنة بالذات هي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله أو تقريره.