وهذا درس عظيم، وسر بديع يتعلم منه الحاج عبودية انتظار الفرج، وهي من أجلِّ العبوديات، وأفضل القربات؛ فلا ييأس بعد ذلك من روح الله، وقرب فرجه مهما احلولكت الظلمة، ومهما استبد الألم ومهما عظم المصاب سواء في حاله أو في حال أمته، بل يكون محسنًا ظنه بربه، منتظرًا فرجه ولطفه، وقرب غِيَرِهِ - تعالى - فيجد في حشو البلاء من رَوْحِ الفرج ونسيمه، وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج مُعَجَّل.
ولا بُعدَ في خير وفي الله مطمع
ولا يأس من رَوْحٍ وفي القلب إِيَمانُ
5-اكتساب الأخلاق الجميلة: فالحج ميدان فسيح لمن أراد ذلك، فالحاج يتدرب عمليًا على الحلم، والصبر، والمداراة، وكظم الغيظ من جرَّاء ما يلقى من الزحام والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو في غيرها من المناسك؛ فيتحمل الحاج ما يلقاه من ذلك، لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن، فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله - تعالى -.
فإذا تحمل الحاج تلك المشاق في أيام الحج - صار ذلك دافعًا لأن يتخلق بالأخلاق الجميلة بقية عمره.
ثم إن الحاج يتعلم الكرم، والبذل، والإيثار، والبر، والرحمة، وذلك من خلال ما يراه من المواقف النبيلة الرائعة التي تجسد هذه المعاني؛ فهذا سخي يجود بالإنفاق على المساكين، وذاك كريم بخلقه يعفو عمن أساء إليه، وأخطأ في حقه، وذاك رحيم يعطف على المساكين ويتلطف بهم، وذاك حليم يصبر على ما يلقاه من أذى، وذاك بَرُّ بوالده يحمله على عاتقه، وذاك يحوط أمَّه العجوز بلطفه ورعايته. بل ويكتسب الأخلاق الجميلة إذا رأى من لا يدركون معنى الحج، ممن يغضبون لأدنى سبب، وتطيش أحلامهم عند أتفه الأمور.
فإذا رأى العاقلُ البصيرُ سوءَ فعال هؤلاء انبعث إلى ترك الغضب، وتجافي عن مرذول الأخلاق.