الصفحة 32 من 39

والتحقيق أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المُراد، فلا بد أن يكون القلب متصورًا فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.

و للتدليل على ما خلص إليه شيخ الإسلام في صفة العقل ينبغي تتدبر حديث الرسول صلى الله عليه و سلم التالي في إثبات أن العقل صفة تدل على الذات العاقلة: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (صحيح أبي داود 3703) . فأصل العقل في القلب كما أخبر المولى عز وجل: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46 ) . و قول صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أن النسيان الطارئ على الإنسان هو بفعل سحابة القلب الذي أظلمته كما تظلم السحابة القمر: ( ما من القلوب قلب إلا و له سَحَابة كسحابة القمر، فبينما القمر يضيء إذ تجللته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء، وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي، إذ تجلت عنه فذكر. و هذه يعني أن الأصل في ذلك للقلب و ليس للدماغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت