الصفحة 29 من 106

وطلبة العلم هم الكثرة الكاثرة في هذا العصر، فمعظم من نراهم أو نسمعهم في القنوات والإذاعات وسائر وسائل الاتصال الجماهيري، هم في حقيقة الأمر طلاب علم، وإن كان بعضهم يظن في نفسه أو يظن غيره فيه خلاف ذلك.

أقول هذا لكثرة ما بلينا به بسبب بعض من وسم بـ (طالب علم) أو (مستفيد) ، والذي قرأ مجموعة مختصرات من الكتب، أو سمع مجموعة أشرطة من هنا وهناك، أو جمع نتفًا من المعلومات المتناثرة والتي لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط ثم يظن في نفسه العلم، فيظلم نفسه ويظلم معه آخرين،"وقد قيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم، ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان" [1] .

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:"من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام"

وقد بين العلماء أمارات العالم المتحقق يقول الشاطبي:"وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:"

إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقًا لفعله.

والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح.

فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله، وصار مثلُ ذلك أصلًا لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية.

وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحدًا مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف" [2] ."

(1) مجموع الفتاوى 2/ 729

(2) الموافقات 1/ 91 وما بعدها بحذف وتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت