الصفحة 21 من 22

لما كان هذا الأمر مما تتفاوت فيه الاجتهادات وتتباين فيه التقديرات، كان لابد له من دراية بالشرع ومعرفة دقيقة وخبرة بالواقع مع قوة في العقل والفراسة للنظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح مع الإخلاص التام والتجرد من الهوى، والموفق من وفقه الله عز وجل وجعل له فرقانًا وبصره بالحق والصواب.

ولكن من المعلوم أن الأمور التي نحتاج فيها إلى تقدير المصالح والمفاسد تتفاوت تفاوتًا عظيمًا من حيث أهميتها وخطورتها وتأثيرها، ومن حيث دائرة من تتعلق بهم، ومن حيث كونها مطلوبة للنفس أم لإفتاء الناس، فقد يمر الإنسان ببعض المواقف اليسيرة العابرة التي يحتاج فيها لمعرفة التصرف الأمثل الملائم للشرع المحقق للمصلحة واختياره من بين عدة تصرفات محتملة وكلها مباحة في الأصل، ولا يعقل البحث عن مجتهد ليقدر المصلحة في كل أمر عابر وكل موقف يسير ولكن يستطيع غير المجتهد بشيء من التأمل أو بمشورة بعض الأصحاب الخيرين المطلعين على الشرع وعلومه ـ وإن لم يكونوا من العلماء ـ أن يقدر المصلحة ومظانها، وهذا بخلاف ما لو عظمت الأمور، أو اتسعت دائرة تأثيرها، أو تعلقت بتحريم شيء على الناس أو تحليله، فيكون ما يلزم لها من العلم وأدوات الاجتهاد أكثر وأكثر لاسيما إن تعلق الأمر بمناهج الدعوة وأساليبها وتجديد الدين وإحياء السنن، أو بإنكار المنكر والجهاد، ونحو ذلك، مما يتطلب جهد العلماء وأهل الاجتهاد.

ولا يخفى ـ كما قال بعض العلماء ـ أن هذا الباب مزلة أقدام ومدحضة أفهام وكثيرًا ما يقع فيه الاشتباه، وقد تقارن الأهواء الآراء، وتختلط النزعات الشخصية بالاجتهادات الفقهية، والمعصوم من عصمه الله عز وجل، ولا مخرج من هذه الفتن إلا بلزوم الجماعة والاعتصام بالشورى والإصغاء إلى ما يقرره أهل العلم والثقات والعدول من الدعاة فإن ما يكره من الطاعة والجماعة خير مما يحب من الفرقة والمعصية.

خاتمة

وأختم الكلام في هذه المسألة وهي اعتبار المصالح والمفاسد والموازنة بينها عند التعارض بأن المسلمين في هذا الزمان أحوج ما يكونون لاستخدام هذا الأصل لأن كثيرًا منهم يقف حائرًا أمام تنفيذ بعض الأحكام، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: وهذا ـ باب التعارض ـ باب واسع جدًا لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل (1) .اهـ.

(1) مجموع الفتاوى (20/57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت