الصفحة 20 من 22

وقال الشاطبي رحمه الله: ومن هذا الأصل ـ أي اعتبار المسببات أو النظر في مآلات الأفعال قبل الإقدام أو الإحجام ـ تستمد قاعدة أخرى: وهى أن الأمور الضرورية (1) أو غيرها من الحاجية (2) أو التكميلية (3) إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعًا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج، كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات وكثيرًا ما يلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز، ولكنه غير مانع، لما يؤول إليه التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض. ولو اعتبر مثل هذا في زماننا لأدى إلى إبطال أصله. وذلك غير صحيح. وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها، وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضى. فلا يُخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها لأنها أصول الدين وقواعد المصالح. وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمها حق الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع، وما ينقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك قضايا أعيان لا حجة في مجردها حتى يعقل معناها فتصير إلى موافقة ما تقرر إن شاء الله. والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال، فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق. والله أعلم (4) .اهـ.

وضرب محقق الكتاب من الأمثلة لما نقل عن السلف مما يخالف ذلك في ظاهره، ما روي عن بعضهم من ترك الجنائز أو الجماعات خشية المناكر كما يروى عن مالك أنه ترك الجماعات وغيرها للمناكر. ولكنه عند التحقيق ظهر أنه تركها لسلس أصابه خشي منه على طهارة المسجد، فصارت قضيته العينية موافقة لما تقرر (5) .اهـ.

ولكن من يقوم بتقدير المصالح والمفاسد؟

(1) أي التي يسبب فواتها الفساد والفوضى واختلال نظام الحياة.

(2) أي التي يسبب فواتها ضيقًا وحرجًا للناس.

(3) أي التي يسبب فواتها خروج حياة الناس عما تستدعيه الفطر السليمة والعادات الكريمة.

(4) الموافقات: إقامة المصالح الشرعية وإن لقي في طريقها بعض المناكير (4/210، 211) .

(5) الموافقات (4/211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت