ثم أخذ يستدل على صحة ذلك بأمور منها أن التكاليف مشروعة لمصالح العباد، ومنها أن الاستقراء للشريعة وأدلتها يدل على اعتبار المآلات، وذكر أمثلة تفصيلية بعضها ذكرناه كامتناعه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين مع قدرته على ذلك خشية أن يظن الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا من الدخول في الإسلام، وكامتناعه عن رد البيت إلى قواعد إبراهيم عليه السلام، وكنهيه أصحابه عن زجر الأعرابي حال تبوله في المسجد، وكنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع... إلى أن قال: قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة ـ النظر في مآلات الأفعال في الأحكام ـ: اختلف الناس بزعمهم فيها وهي متفق عليها بين العلماء فافهموها وادخروها (1) . اهـ.
ورد رحمه الله على من يهمل هذه القاعدة بحجة أن عليه العمل وليس عليه النتيجة فقال: لا يقال إنه قد مر في كتاب الأحكام أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب؛ لأنا نقول: وتقدم أيضًا أنه لابد من اعتبار المسببات في الأسباب... وقد تقدم أن الشارع قاصد للمسببات في الأسباب. وإذا ثبت ذلك لم يكن للمجتهد بد من اعتبار المسبب، وهو مآل السبب (2) . اهـ.
يوضح كلامه أن من أراد الولد والذرية لا يقبل منه أن يتزوج بمن عرف أنها عقيم ويقول ليس عليّ النتيجة، وإنما يتحرى الولود أو من لم يعرف أنها عقيم، فالإنسان قبل الإقدام على العمل أو عدمه ينبغي أن يتأمل فيما يغلب أن يكون من النتائج لأنه لولا كونها مقصودة في الأصل ما شرع العمل، لكن بعد النظر والاطمئنان إلى أن الغالب كون النتائج أو المسببات الحاصلة هي مقصود الشارع فحينئذ يأخذ في التنفيذ والعمل متوكلًا على الله وهو مطمئن سواء حدثت النتائج بالفعل أم لم تحدث، فلا يلتفت إلى ذلك حينئذ. فتقدير النتائج والنظر في ذلك من عمل العبد وينشغل بذلك قبل الدخول في العمل ويسعى في أخذ الأسباب اللازمة، ثم يدخل في العمل متوكلًا على الله دون التفات إلى حصول النتائج أو عدم حصولها. أما حصول النتائج وتحققها فهو لله وحده. وبذلك يجمع العبد بين عبودية السعي وعبودية التوكل.
(1) الموافقات (4/195ـ 198) .
(2) الموافقات (4/195، 196) .