الصفحة 18 من 22

مثال: إنسان في مسجد به بعض البدع ويريد أن يقوم بالدعوة في هذا المسجد ويغير البدع ويحيي السنن، ولكنه يريد من أول صلاة يصليها في ذلك المسجد أن ينهي هذه البدعة ويقيم تلك السنة، ويقول: أنا واثق أنني لو أردت فعل ذلك الآن أو الكلام فيه فسأقدر على ذلك ولن يصيبني ضرر إن شاء الله، يريد أن يقول أن المصلحة موجودة والمفسدة مأمونة. ولكن هذا التقدير إنما هو باعتبار اللحظة الراهنة أما إذا أدخلنا في تقدير المصلحة والمفسدة ما يؤول إليه الأمر بعد ذلك فربما تغيرت القضية، كما لو كان أهل المسجد سينفرون منه ويتحرشون به ويتصلون ببعض المسئولين عن المسجد أو غيرهم ممن يجهلون الدين ولا يحبون انتشار الدعوة الصحيحة الصافية، أو نحو ذلك، ثم يخرجونه من المسجد أو لا يمكنونه بعد ذلك من شيء فيه، فتعود البدعة وتقوى ويتحمس لها أهلها، وتنقطع الدعوة، ويتكون حاجز بين الدعاة وأهل ذلك المسجد، وربما لو صبر الداعي عليهم قليلًا وعاشرهم وتدرج في الأمر لانتهى ذلك إلى خير وتغيير للأصلح، فإذا غلبت هذه الأمور على الظن فهل يجب على الداعي اعتبارها أم أنه لا يلتفت إليها ويمضي فيما شاء من الأمر والنهي؟ ماذا يقول العلماء في مثل هذه المسائل؟

الجواب يقرره الإمام الشاطبي رحمه الله فيقول: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل (فقد يكون) (1) مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تُدْرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب جارٍ على مقاصد الشريعة (2) . اهـ.

(1) زادها محقق الموافقات لوجود سقط ولا يستقيم السياق بدونها.

(2) الموافقات (4/194، 195) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت