الصفحة 35 من 401

رابعها: وهو أعظمها: أن لا يرى العبد في الوجود إلا واحدًا .. وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد.

قال: « فإن قلتَ: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحدًا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة: فكيف يكون الكثير واحدًا؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات: وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون: إفشاء سرّ الربوبية كفر... إنّ الشّيء يكون كثيرًا بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحدًا بنوع واعتبار آخر. وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر واحد إذ نقول: إنه إنسان واحد، وكم من شخص يشاهد إنسانًا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق ... فهو باعتبارٍ واحدٍ من الاعتبارات: واحد، وباعتبار آخر سواه: كثير ... وإلى هذا أشار: الحسين بن منصور الحلاج حيث قال للخوّاص: قد أفنيت عمرك في عمران باطنك: فأين الفناء في التوحيد؟ » [1] .

ثم يؤكد الغزالي عقيدته في وحدة الوجود قائلًا: « وليس مع الله موجود: بل الموجودات كلّها كالظّلّ من نور القدرة » [2] .

وقال في كتابه مشكاة الأنوار: « العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق ... فقال بعضهم: « أنا الحق » وقال الآخر: « سبحاني ما أعظم شأني » .

ثم احتج ثانية بالحلاج وبشِعره الذي يقول فيه [3] :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا

جاء في البهجة السنية في آداب النقشبندية: « اعلم أن التوحيد قسمان:

توحيد شهودي كقول الحلاج: أنا الحق. وقول أبي يزيد: سبحاني ما أعظم شأني.

(1) إحياء علوم الدين 4/245-247 .

(2) كتاب الأربعين للغزالي 104 ط: دار الآفاق الجديدة - بيروت .

(3) مشكاة الأنوار 19 - 20 ط: مكتبة الجندي - مصر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت