صرح الطبري أن العرب « كانت تُقرّ بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته فقال جل ثناؤه: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ، وقال: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } [1] .
قال السيوطي: « ولم يكن كفرهم [يعني المشركين] إنكارًا للصانع ولألوهيته، ولا ادعوا في الأصنام أنها تخلق وتدبر، بل كانوا يقرون لله بالإلهية وأنه الخالق المدبر كما قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ، وكانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله كما قال تعالى حكاية عنهم: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، وكانوا يقولون في تلبيتهم: « لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك » كما قال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } . أضاف:
« فعرف بذلك أن كفرهم كفر إشراك لا كفر إنكار لوجود الصانع، وأن ذلك صادر عن الجهل بما جاءت به الأنبياء والرسل عليهم السلام » [2] .
ثم نقل عن الشهرستاني ما نصه « وكانوا [أي المشركون] يطوفون ويسعون ويلبون ويفعلون المناسك كلها ويهدون الهدايا ويرمون الجمار ويحرمون الأشهر الحرم ويغتسلون ويغسلون أمواتهم ويكفنونهم، وكانوا يداومون على طهارات الفطرة التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام، ويوفون بالعقود ويكرمون الضيف ويقطعون يد السارق، وكان دين إبراهيم قائمًا والتوحيد شائعًا في صدر العرب » [3] .
(1) تفسير ابن جرير الطبري 1: 127-128 .
(2) كتاب التعظيم والمنة ص 176 - 177 (ضمن الرسائل التسع) .
(3) التعظيم والمنة 195 .