والله أنزل آياته ليختبرنا: أنؤمن بها أم لا؟ وليس ليختبرنا هل نعطلها بالتأويلات المحتملة المتضاربة المتناقضة أم لا؟ فإن الله لا يؤخر فهم الناس لتأويل كتابه إلى أن يأتي أهل الكلام وإنما يبين لهم أسباب الهدى ويبتليهم هل يؤمنون كما قال: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون? } [التّوبة 115] ، ولو كان نزول آيات الصفات ابتلاء لنا من الله: هل نؤول أم لا. فبماذا تفسرون اختلاف تأويلاتكم عن تأويلات السلف؟!
? أن دعوى اشتمال القرآن على آيات لا يعلم معناها إلا الله باطلة:
فإنه يقال لهؤلاء هل تستثنون النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجهل بها؟ أم أن الجهل بها يشمله؟
لا أعرف أحدًا من الأشاعرة المفوضة استثنى من ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - . وكفى بذلك قدحًا به.
ثم إن الله أمر المؤمن بل والكافر بتدبر القرآن كله من غير استثناء فقال: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ? } [النّساء 82] ، فكيف يأمر الله الكفار بتدبّر القرآن وينهانا عن تدبر بعض آياته: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه? } [ص 29] . فجعل الله العلة من تنزيل كتابه المبارك: التدبر والتذكر. ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن يُقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام حتى لا يكون مجرد تلاوة من غير فهم. وقال: « وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم » . ففرّق بين التلاوة والمدارسة. فالتلاوة: قراءة ألفاظه. والتدارس طلب فهم المعاني.
وإذا كان في العادة يمتنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يطلبون شرحه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم!