والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس، لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا؛ وهذا هو الذي يحول بين القلب، وبين فهم القرآن.
ص -462- ولعمر الله؛ إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، وشر منهم ودونهم؛ وتناول القرآن لهم، كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية، والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره أو شر منه، أو دونه؛ فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول، ومفارقة الأهواء والبدع؛ ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، فالله المستعان، انتهى.
قلت: فتأمل قول شيخ الإسلام، رحمه الله المتقدم: وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ولا يغفر لمن تركه... إلى آخر كلامه.
ص -463- وتأمل قول العلامة ابن القيم، رحمه الله: فالأكبر لا يغفره إلا الله إلا بالتوبة منه، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين كما هو حال مشركي العرب، بل كلهم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها، ويوالونها من دون الله... إلى قوله: وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة... إلى قوله: