وهكذا قال النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: إن المسيح عبد، قالوا: تنقصت المسيح وعبته. وهكذا قال أشباه المشركين، لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد، ومساجد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه، ورسوله، قالوا: تنقصت أصحابها. فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم، حتى كأنهم قد تواصوا به. {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [سورة الكهف آية: 17] .
وقد قطع تعالى الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعها، قطعا يعلم من تأمله وعرفه، أن من اتخذ من دون الله وليا، أو شفيعا فهو كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا
ص -461- وََإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [سورة العنكبوت آية: 41] ؛ فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سورة سبأ آية: 22-23] .
فالمشرك إنما يتخذ معبوده، لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا للمالك كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.
فنفى سبحانه هذه المراتب الأربع نفيا مرتبا، منتقلا من الأعلى إلى ما دونه: فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك؛ وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا، ونجاة وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها.