وعن هاتين الكلمتين، يُسأل الأولون والآخرون، كما قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فهذه ثلاثة أصول، تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها، وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره، كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [سورة الأنعام آية: 1] ، وأصح القولين: يعدلون به غيره في العبادة; والموالاة، والمحبة كما في الآية الأخرى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الشعراء آية: 97-98] ، وكما في آية البقرة: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 165] .
وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله; فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم، ولحرماتهم إذا انتهكت، أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم، من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء
ص -460- الحاجات، وأنهم باب بين الله وعباده؛ فترى المشرك يفرح، ويسر ويحن قلبه، ويهيج منه لواعج التعظيم، والخضوع لهم، والموالاة.
وإذا ذكرت له الله وحده، وجردت توحيده، لحقَتْه وحشة، وضيق، وحرج، ورماك بتنقص الآلهة التي له، وربما عاداك؛ رأينا والله منهم هذا عيانا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة؛ ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا; فقال هؤلاء: تنقصتم مشائخنا، وأبواب حاجاتنا إلى الله.