إن مما يؤكد أهمية الانطلاق من ذلك المنطلق حين التعامل مع السيرة ما يشير إليه ترتيب سور القرآن وآياته - والسيرة بيان عملي للقرآن - فلم يجئ ترتيبه حسب نزوله زمانًا ومكانًا ؛ لئلا يبقي المتأسي أسير الزمان والمكان الماضيين ، بل ليبقى مسخِّرًا للزمن متحكمًا فيه يستطيع تحديد الموقع المناسب للاقتداء من خلال قيم القرآن الكريم ومسيرة السيرة بحسب الظروف والإمكانات وطبيعة أقتدار التدين التي تحدد مكان الاقتداء من السيرة .. هذا وإلا بقيت السيرة في خانة التبرك والفخر تصاغ في شكل موالد وموائد تشيع فيها البدعة ، وتضيع فيها السنة ، وتضيع معها الأوقات .
وفي سيرة سلفنا إضاءات للمستنيرين بنورها ، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقاتل مانعي الزكاة ، ويقول لعمر بن الخطاب لما حاول تأجيل قتالهم:"أجباُرُ في الجاهلية وخوّار في الإسلام ؟ ! إنه قد انقطع الوحي ، وتم الدين ، أَوَ ينقص ؟ وأنا حي ؟ ! ، فلم يتقيد بقيد الزمان وهو ما قبل فرضية الزكاة في صدر الدعوة - ولذا فإن من الخطأ أن نريد إعادة مراحل السيرة التي كانت قبل اكتمال شرائع الإسلام ، فنكتفي ببعضها ردحًا من الزمن، ونحمل الناس على شيء من الدين مرحلة من الزمن ؛ فذلك"تبسيط شديد للأمور من ناحية ، وتجاوز لتحليل ومعرفة أهم الأبعاد التي غابت عن محاولات التغيير ، وأدت إلى تراجعها .
ولكي يتضح جانب التبسيط فإنه يُرد على من أراد تقييد الإفادة من السيرة بالزمان بتقييدها بالمكان ! فهل يطيقه ؟.
ولابد أن نلاحظ - حال الإفادة من معطيات السيرة - أنه لا يمكن أن تُنتج الوسائل والتصرفات التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم النتائج نفسها إذا استعملها سواه؛ لاختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي والتسديد من الله عز وجل.