الدراسة المفيدة للسيرة تحصل حين تّدرس على أنها سنن ربانيه يمكن أن تتكرر كلما تكررت ظروفها ولا تتحقق أبدًا حين ننظر للسيرة على أنها مجرد أحداث مفردة قائمة بذاتها حدثت زمن البعثة النبوية ..بل هي آيات وعبر في شؤون الحياة كلها ، وإلا ضاع رصيدها وقوتها الدافعة لأجيال المسلمين ؛ فهي تربط المسلم بالسنن الربانية ، وتربط قلبه بالله تعالى.
إن كل حركة إصلاح أو تغيير تعجز عن الاستفادة من السيرة في صياغة مناهجها وحل مشكلاتها هي بعيدة عن الاقتداء ؛ لأن الواجب تجريد السيرة من قيد الزمان والمكان؛ لتجيب عن أسئلة الواقع ومشكلاته . وهذا النوع من الداراسات قليل جدًا ؛ إذ جلّ الدراسات لا تعبر عن عصر مؤلفها ، ولا تخدم احتياجات واقعه ، ولا تطرق مشكلاته .
قد تكون المشكلة كامنة - أحيانًا - في غياب المقاصد الحقيقية التي تمثل معاني الخلود عند دارسي السيرة أي قدرتها على التعامل مع جميع الظروف - مما جعلها عن كثيرين تاريخًا لا مصدرًا للاهتداء والتشريع .
وهي - لا شك - تاريخ ، ولكنها تاريخ وحاضر ومستقبل: تاريخٌ زمانًا ومكانًا ، وحاضرٌ عطاءً ومصدرًا للتشريع ، ومستقبلٌ رؤية واستشرافًا . ً . وإذا كان التاريخ مصدرًا للدرس والعبرة فالسيرة أوْلى لأنها فترة مسددة بالوحي ، وحقبة بيان عملي للدين .
لقد سبب غياب هذا المنطلق إغراقًا في الفقه النظري - سواء الذي يسير خلف المجتمع ، أو البعيد عن واقعه - ، كما سبب تراجعًا في الفقه التطبيقي ( فقه التنزيل) فصارت مشكلات المسلمين تنشد الحل المستورد .