ولما كان القرآن قد رغب في الصدقة، وضاعف أجور المتصدقين والمنفقين؛ فإنه ذم البخل والشح، وتوعد البخيل بالعسرى، قال تعالى: * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ #Œخ) تَرَدَّى (11) & [الليل:8-11] ، فقرن البخل في الآيات بالاستغناء عن الله والتكذيب بالحسنى، وكلاهما كفر، وفيها إشارة إلى أن لسان حال البخيل تعرب عن الطغيان والاستكبار، بالاستغناء عن الواحد القهار، فهو إذ لم ينفق المال، متقمص لشخصية من قال له قومه: * وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي & [القصص:77-78] .
وقال تعالى: * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ & [النساء:37] الآية، فالله Q يبين أن البخيل كاتم لفضل الله جاحد لنعمته، وأن البخل إذا استشرى صار صاحبه يتنغص بإنفاق غيره، فلا يلبث أن يأمره بالبخل.
قال الإمام الشوكاني /:"وهؤلاء المذكورون في الآية، ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر، ما هو أقبح منه، وأدل على سقوط نفس فاعله، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها؛ وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم، وكتمهم لما أنعم الله عليهم من فضله، يأمرون الناس بالبخل، كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجًا ومضاضة". ثم دعا عليهم / موبخًا لهم:"فلا أكثر الله في عباده من أمثالكم، هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه؛ فما بالكم بخلتم بأموال غيركم، مع أنه لا يلحقكم بذلك ضرر؟! وهل هذا إلا غاية اللؤم، ونهاية الحمق والرقاعة، وقبح الطباع وسوء الاختيار؟!" (1) .
(1) فتح القدير (1/608) .