الصفحة 35 من 44

وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه فيجعله في طرف ردائه، فلا يلقاه أحد من المساكين يسأله إلا أعطاه، فإذا دخل على أهله، رمى بها إليهم فيعدُّونها، فيجدونها سواء كما أُعطيها (1) . وقد قال ^:"ما نقص مال من صدقة" (2) .

وقد كان السلف مستيقنين بما عند الله؛ راجين للآخرة، ينفقون لله ويبتغون العوض منه، ولا يخافون فقرًا، ولا تزعجهم قلة ما باليد، قال سفيان بن عيينة /:"باع عبد الله بن عبد الله بن عتبة أرضًا له بثمانين ألفًا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال! فقال: أنا أجعل الله Q ذخرًا لولدي من بعدي، وأجعل هذا المال ذُخرًا لي عند الله، وقسَّم المال على الفقراء" (3) .

ولما كانوا يتعاملون مع الله باليقين والإخلاص، أكرمهم الله تعالى بكرامات عجيبة، وحقق لهم ما وعدهم، ومن حذا حذوهم وجد ذلك حقًا وباشره بحواسه صدقًا.

وهذا الإمام التابعي الجليل عبد الله بن المبارك / الذي كان يجاهد في سبيل الله عامًا، ويحج عامًا، كان له مال كثير، يأخذ أرباحه فينفقها على طلبة العلم، حتى جعل الناس يقولون:"يا ابن المبارك! تترك الفقراء والمساكين وتنفق مالك على طلبة العلم، فقال: نعم. إنما أجرهم أعظم عند الله، هؤلاء يحفظون سنة رسول الله ^ ويحفظون الدين للأمة، أما الفقير فهو معلوم فيعطيه كل إنسان، أما هؤلاء فهم لا يعلمهم أحد، تراهم كأنهم أغنياء، وهم فقراء مقطوعون".

وفي إحدى رحلاته للحج -وكان قد أدى فريضة الحج وذهب ليتنفل- مر بقرية وماتت عنده دجاجة فألقاها على المزبلة، وإذا به يرى بنتًا صغيرة تلتقط الدجاجة وتفر بها، فلحقها فقال لها:"أتأكلين الميتة؟ قالت: نعم. أحلت لنا الميتة منذ شهر، قتل أبي وليس في هذا الكوخ إلا أنا وأخي الصغير، وليس لنا عائل وأنا أجلس عند المزبلة كلما ألقي فيها شيء أخذته وأكلته أنا وأخي، فبكى ابن المبارك وقال لوكيله: اقتطع من مالنا ما يعيدنا إلى بلدنا واجعل نفقة الحج لهذه اليتيمة، فلعل الله كتب لنا أجر الحج وأجر اليتيمة في عامنا هذا".

(1) الزهد للإمام أحمد بن حنبل (ص:224) .

(2) سنن الترمذي (4/562) (2325) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وقال الألباني:"صحيح".

(3) المجالسة وجواهر العلم (ص:491) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت