وكان إذا جاء رمضان ذهب إلى أحياء اليتامى والأرامل والمساكين ووضع بساطًا، ووضع عن يمينه كومة من تمر، وعن شماله كومة من دراهم، ثم ينادي: أيها الفقراء! أيها المساكين! كلوا من تمري هذا حتى تشبعوا، أفطروا عليه، وتسحروا منه، وسأشتري كل نواة بدرهم..
فإذا أكلوا وشبعوا جمعوا النوى بأيديهم ثم جاءوا إليه، فمن أكل مائة تمرة يعطيه مائة درهم، ومن أكل ألفًا يعطيه ألفًا، فيذهبون وقد شبعوا واستأنسوا، فإذا تولوا عنه وقد أكلوا التمر كله وأخذوا الدراهم كلها جلس متواضعًا على صخرة يبكي حتى تخضل لحيته لما يحس في قلبه من الرقة واللين بسبب هذه العبادة.
ال
الباب السابع
من أخبار المعاصرين في الإنفاق
…صاحب النياق في ظل صدقته:
ذهب أحد القدماء قبل مائة عام تقريبًا- وهو يروي ما حدث- يتفقد أغنامه وإبله فرأى إحداها يكاد الربيع أن يفجر الحليب من ثديها، كلما اقترب ابن الناقة من أمه درت وانهل الحليب منها من كثرة الخير، قال: فنظرت إلىها وتذكرت جارًا لي له بنيات سبع فقراء فقلت: والله لأتصدقن بهذه الناقة وولدها على جاري. وكانت أحب النياق إلى نفسي.
والله سبحانه يقول: * لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ & [آل عمران:92] .
فأخذتها وابنها ودققت باب الجار وقلت: خذها هدية مني لك، يقول: فرأيت الفرح في وجهه لا يدري ماذا يقول فأخذها وأصبح يحلبها ويشرب منها ويطعم بنياته.
فلما انتهى الربيع وجاء الصيف بجفافه وقحطه تشققت الأرض، وبدأ البدو يرحلون يبحثون عن الماء والكلأ فشددنا الرحال نبحث عن الماء بين الدحول (1) .
يقول: فدخلت في هذا الدحل لأحضر الماء حتى نشرب وأولاده الثلاثة خارج الدحل ينتظرون، فتاه تحت الأرض ولم يعرف الخروج، انتظر أولاده يومين وثلاثة فلم يخرج فقالوا: إنه قد مات لعل ثعبانًا لدغه، أو إنه ضاع تحت الأرض وهلك وكانوا والعياذ بالله ينتظرون هلاكه طمعًا في الميراث فذهبوا إلى البيت وقسموا الميراث فقال أوسطهم: أتذكرون ناقة أبي التي أعطاها للجار؟ إن الجار لا يستحقها لنأخذها منه ونأخذ ابنها ونعطيه بدلًا منها بعيرًا.
(1) الدحول: حفر في الأرض متشعبة توصل إلى محابس مائية تحت الأرض.