الصفحة 23 من 44

وعن أنس ا:"أن رجلًا سأل رسول الله × غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله إن محمدًا × ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر".

وعن ابن شهاب قال:"غزا رسول الله × غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله × بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله × يومئذٍ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة".

قال صفوان:"والله لقد أعطاني رسول الله × ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه أحب الناس إليّ" (1) .

بل كان النبي × لا يرد من سأله، ولا يسأل شيئًا فيمنعه، وهو موضع القدوة لنا، فعن سهل بن سعد ا قال:"جاءت امرأة إلى النبي × ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، فقالت: يا رسول الله! أكسوك هذه؟ فأخذها النبي × محتاجًا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله! ما أحسن هذه فاكسنيها، فقال: نعم، فلما قام النبي × لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي × أخذها محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ×، لعلي أكفن فيها" (2) .

فانظر كيف يصف الصحابة ي النبي ×، ويخبرون عنه إخبار من يعرفه بالمجالسة وطول الصحبة: أنه لا يرد من سأله، وهذا منه مبالغة في الامتثال، فقد نهاه الله عن أن ينهر السائل إذ قال: * وَأَمَّا ں@ح!$،،9$# فَلَا تَنْهَرْ (10) & [الضحى:10] وكأنه × كان يرى رد السائل من الانتهار، فكان لا يرد من سأله، وهو إذ كان هذا حاله، فإنه موقن بأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولذا لم يكن يبالي بها، ولا يشاح عليها، ولا يبخل بها، ولا يحرص على جمعها؛ لأنه كان ينظر إلى ما أعده الله له في الجنة، فكان يجود بالدنيا ويبيت طاويًا، ويفرق الأموال ويبقى -الشهر والشهران- ما يوقد في أبياته نار، وإنما كان طعامه الأسودان: التمر والماء، وما يهدى له من اللبن من الأنصار، وخيَّره الله بين أن يكون عبدًا رسولًا أو ملكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا، وعرض عليه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، فأبى وقال: بل أجوع يومًا وأشبع أيامًا،"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (3) .

وشد من سغب أحشاءه وطوى

(1) مسلم (4/1806) (2313) .

(2) البخاري (5/2245) (5689) .

(3) مسلم (2/730) (1055) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت