الصفحة 22 من 44

وكلامه × محمول على الحقيقة، فلا يقال: إن هذا من باب المبالغة، وأنه لو كان حقيقة لكان من السرف أو لا يمكن تحققه؛ فإنه قد صدق قوله × بفعله حين قسم غنائم غزوة حنين، وكانت كثيرة جدًا، فكانت ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، وأربعة وعشرين ألفًا رأس من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فأما السبي فردهم على أهليهم بعد أن جاءوه، وكان قد انتظر بضع عشرة ليلة لم يقسم الغنائم، يريد أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيرد عليهم أموالهم، فلم يأته أحد، فقسم المال والسبي، ثم رد إليهم السبي.

فهذا المال الكثير قسمه ^ كله، فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فأعطاه مثلها، فقال: ابني معاوية؟ فأعطاه مثلها.

وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وكذلك أعطى رجالًا من رؤساء قريش وغيرها مائة مائة من الإبل، وأعطى آخرين خمسين خمسين وأربعين أربعين، حتى شاع في الناس أن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، وانتزعوا رداءه، فقال:"أيها الناس! ردوا عليَّ ردائي، فوالذي نفسي بيده! لو كان عندي شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا".

ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه ثم رفعها، فقال:"يا أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" (1) .

وذلك منه × تصديق لربه الذي أدبه فأحسن تأديبه؛ فإنه قد روى عن ربه Q أنه أمره بالنفقة ووعده بالجزاء؛ ففي صحيح مسلم عن همام بن منبه أخي وهب بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ا، عن رسول الله ×، فذكر أحاديث منها: وقال: قال رسول الله ×:"إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك" (2) .

وقد كان × موصوفًا بذلك، حتى قالت له أم المؤمنين خديجة ل عندما رجع إليها من حراء يرجف فؤاده وقال:"لقد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا. والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (3) .

(1) سنن البيهقي (6/336) ، سنن سعيد بن منصور (2/322) ، قال الألباني في فقه السيرة (ص:405) :"صحيح".

(2) تقدم تخريجه.

(3) البخاري (1/4) (3) ، مسلم (1/139) (160) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت