الصفحة 21 من 44

اصطفى الله سيدنا محمدًا × من بين خلقه، ليكون المبلغ عنه رسالته، فأدبه فأحسن تأديبه، فكان ^ في الذروة من كل فضيلة، والقدوة في كل مكرمة، قال تعالى: * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ & [الأحزاب:21] ، فكان ^ في الكرم والجود قمة لا ترتقى، لا يستقر المال في يده، كما لا يستقر ماء المطر في المكان العالي.

لا يألف الدرهم المضروب صرته

لكن يمر عليها وهو منطلق

وأحواله ^ في ذلك لا يتمكن من البيان عنها قلم ولا كتاب؛ ولكن كل يذكر من ذلك وسعه، ونحن نذكر هنا بعضًا منها بحسب المقصود.

فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم عن أبي ذر ا قال:"كنت أمشي مع النبي × في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أحد، فقال لي رسول الله ×: يا أبا ذر! قال: قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ما أحبُّ أن أُحُدًا ذاك عندي ذهب، أمسي ثالثة عندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين؛ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا -حثا بين يديه- وهكذا: -عن يمينه- وهكذا -عن شماله-."

قال: ثم مشينا فقال: يا أبا ذر! قال: قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا -مثلما صنع في المرة الأولى-.." (1) الحديث."

هذا حاله ^ في الحث على الصدقة وإنفاق المال في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق في كل وجه من وجوه الخير يحضر، وهذا هو معنى إشارته وحثوه × بين يديه وعن يمينه وعن شماله (2) .

وهذا الحديث يبين عظيم حال النبي ^ في الصدقة، فها هو × يذكر أنه ما يحب أن عنده مثل جبل أحد من الذهب، يظل عنده منه دينار بعد ثلاثة أيام، إلا يكون قد أنفقها في عباد الله، وحثا بيديه × بين يديه وعن يمينه وعن شماله.

(1) البخاري (5/2312) (5913) ، مسلم (2/687) (992) .

(2) انظر: شرح النووي (7/72-73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت