ولهذا على أهل العلم دراسة ما يعرض لهم من وقائع جازمين بوجود تشريع إسلامي يخصها،لقوله تعالى:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"،ولقوله تعالى:"وقد فصل لكم ما حرم عليكم"،وهذا أصل عليه يعولون في دراساتهم،بيد أنهم حين لا يجدون جوابا شافيا يحصل لهم به الجزم بحكم شرعي،فليس عليهم سوى التوقف،حين لا يطمئن الواحد منهم للجزم بالرجوع إلى الأصل الكلي الذي نعلم به صحة وجواز كل فعل صدر من الإنسان،وهنا لست أجد أدنى ريبة في أن تلك المعاملة من الربا الذي نهى الله عنه،مع حملي قول المخالف على حسن الظن،وبيان قولي ما يأتي.
الوقفة الثانية:
نجد من خلال ما سبق شرحه في الدراسة أن الربح المحدد بنسبة ثابتة،يوجد عبءا ثقيلا على المجتمع بأكمله،وهو جدير بالمنع لهذا السبب،حتى لو لم نسمه ربا،فما قولكم ونحن نجزم أنه من الربا الذي حرم الله تعالى؛لأن ما يدفعه الناس لتلك الجهات الاستثمارية من بنوك ونحوها ليس سوى صرف [1]
(1) - هناك تفاوت في عبارات المتخصصين الاقتصاديين من فقهاء الشريعة في توصيف الوديعة البنكية،مع اتفاقهم أنها ليست وديعة بمعناها الشرعي،لأن الوديعة تحفظ كما هي،وترد بعينها - قال المناوي في التعاريف ص723 هي:"استنابة في الحفظ،وشرعا استحفاظ جائز التصرف متمَوَلا أو ما في معناه تحت يد مثله"أهـ -،وليس هو الواقع فيما يسمونه وديعة بنكية اليوم،فهي ليست كذلك شرعا ولكن حين تكون في حساب جاري يعدونها قرضا،لأنه نقد لا يأخذه الناس بعينه بل يأخذون بدله - انظر المهذب ص302،كشاف القناع (3/312) - وأنبه هنا أن من شرط الشرع في جعل النقد المدفوع قرضا حالتئذ أن يكون ما دفع إنما دفع من باب الارتفاق والتعاون،لأنه إن لم يكن كذلك صار صرفا،ولهذا قرر فقهاؤنا أن باب القرض جاء على خلاف القياس،وإنما جوزه الشرع رفقا بالناس،والسؤال الآن هل ما يودع لدى البنوك بغرض الاستثمار يصح توصيفه كقرض؟
الجواب
لا يصح
ولذلك قلت:إنه صرف،وإن سمي استثمارا،فالملح ملح ولو سميته سكرا ،لأن الصرف كما في التعريفات للجرجاني ص 147هو:"بيع الأثمان بعضها ببعض".
والمستثمرون هنا يعطون ليأخذون لابنية الارتفاق بل بنية التجارة.
وبالمناسبة،قد يطرأ سؤال هنا يقول هل تعتبر الوديعة في الحساب الجاري قرضا،لأننا فهمنا أنك لا تعتبرها قرضا سوى بشرط نية الارتفاق؟
الجواب
صحيح هذا الاعتراض،وهو وجيه أيضا،لأن المودعين لدى البنوك لا يضعون أموالهم مساعدة للبنوك بل لقد جاء في سنن ابن ماجه (2/812) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ. فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ » .،والحديث في إسناده خالد بن يزيد الدمشقي،قال عنه النسائي في الضعفاء (1/36) :"ليس بثقة"،كما ضعفه ابن حبان على تساهله،انظر المجروحين (1/284) .
والحديث مع ضعفه إلا أنه يقرر واقعا من حيث طبيعة القرض،لأنه لا يكون سوى من حاجة،والمودعون لا يكون شأنهم كذلك،فكيف يصبح ما يضعونه قرضا،ليس من جهة أنهم يضعونها لا بنية الارتفاق فقط،بل ومن جهة أنهم يعطونها لمن لا يحتاج أصلا؟
والجواب
إننا لسنا في حاجة لبحث جانب الارتفاق في المسألة على أهميته،باعتبار أن التوصيف الشرعي للمعاملات اليوم ليس مطلوبا منه أن يكون دقيقا على نحو ما ورد في كتب علمائنا من قبل،بل يكفي قرب الصورة وعدم وجود فروق كبيرة ومؤثرة كي يصح التخريج وبناء الأحكام،وبعبارة ثانية سيكون متحتما التغاضي عن فروق لا أهمية لها في المقارنة وتخريج الأحكام الشرعية،بل لقد رأيت الحنفية مثلا يعتبرون القرض سالكا مسلك العارية ويعطونه أحكاما بهذا الاعتبار- انظر بدائع الصنائع للكاساني (7/396) - والأمر هنا كذلك؛إذ لا نملك توصيفا شرعيا أقرب من اعتبار النقد المودع لدى البنوك في الحسابات الجارية من اعتبارها قروضا،على أن جانب الارتفاق لا زال موجودا لا من قبل المودع بل من قبل البنك لأنه يتبرع بالحفظ،فهو ارتفاق من هذا الجانب،وأقول:حتى حين يجادل الآخرون في نية الارتفاق هنا،ليخرجوا التوصيف من باب القرض،فإننا نسلك به مسلك القرض لعدم نية التجارة - البيع - من قبل المودع.
وللفائدة راجع كتاب الجامع في أصول الربا د.رفيق يونس المصري ص 213وما بعدها،حيث ميز بجلاء بين الاصطلاحات التي سبق ذكرها،وغيرها مما يقع فيه الخلط،والكاتب متخصص يعمل مستشارا لدى البنك الإسلامي للتنمية،والرجل مرجع من كبار المراجع في هذا الباب،وفقه الله تعالى.