عليه سائر الشعب ، أو لتضمنه شرعًا معنى التوحيد الذي هو التصديق والتزامه عرفًا سائر العبادات على التحقيق ، ويجوز أن يكون المراد أنه أفضلها من وجه وهو أنه يوجب عصمة الدم والمال لا أنه أفضل من كل الوجوه وإلا يلزم أن يكون أفضل من الصوم والصلاة وليس كذلك ، ويجوز أن يقصد الزيادة المطلقة لا على ما أضيف إليه أي المشهور من بينها بالفضل في الأديان قول لا إله إلا الله . ( وأدناها ) أي أقربها منزلة وأدونها مقدارًا ومرتبةً بمعنى أقربها تناولًا وأسهلها تواصلًا من الدنو بمعنى القرب فهو ضد فلان بعيد المنزلة أي رفيعها ، ومن ثم رواه ابن ماجة مكان أفضلها بلفظ: ( فأرفعها ) ، وفي رواية: ( فأقصاها ) ، أو من الدناءة أي أقلها فائدة لأنها دفع أدنى ضرر ( إماطة الأذى ) أي إزالته ، وهو مصدر بمعنى المؤذي ، أو مبالغة ، أو اسم لما يؤذى به كشوكة أو حجر أو قذر ، قال الحسن البصري في تفسير الأبرار: ( هم الذين لا يؤذون الذر ، ولا يرضون الضر ) ، وفي رواية: ( إماطة العظم ) أي مثلًا ( عن الطريق ) وفي طريق أهل التحقيق أريد بالأذى النفس التي هي منبع الأذى لصاحبها وغيره ؛ فالشعبة الأولى من العبادات القولية والثانية من الطاعات الفعلية ، أو الأولى فعلية والثانية تركية ، أو الأولى من المعاملة مع الحق والثانية من المجاملة مع الخلق ، أو الأولى من التعظيم لأمر الله والثانية من الشفقة على خلق الله ، أو الأولى من القيام بحق الله والثانية من القيام بحق العباد فمن قام بهما صدقًا كان من الصالحين حقًا .
( والحياء ) بالمد ( شعبة ) أي عظيمة ( من الإيمان ) أي من شعبه ، والمراد به الحياء الإيماني ، وهو خلق يمنع الشخص من الفعل القبيح بسبب الإيمان كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس ، لا النفساني الذي خلقه الله في النفوس ، وهو تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام ويعاب عليه ، وإنما أفرد من سائر الشعب لأنه الداعي إلى الكل فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة العقبى فينزجر عن المناهي ويرتدع عن الملاهي . ولذا قيل: حقيقة الحياء أن مولاك لا يراك حيث نهاك ، وهذا مقام الإحسان المسمى بالمشاهدة الناشىء عن حال المحاسبة والمراقبة ، فهذا الحديث الجليل مجمل حديث جبريل ، فأفضلها مشير إلى الإيمان ، وأدناها مشعر إلى الإسلام ، والحياء مومٍ إلى الإحسان ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا: إنا لنستحي من الله حق الحياء يا رسول الله والحمد لله ، قال: ليس ذلك ولكن الإستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى ، فمن يعمل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء ) رواه الترمذي وصح: ( الحياء خير كله ) ، قال ابن حبان: ( تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على البضع والسبعين شيئًا كثيرًا ، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة عدّها رسول الله من الإيمان فإذا