فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 6013

الله ) [ آل عمران 31 ] ، والأمر بالإفراد هنالك للإشعار بأن كلًا من العصيانين مستقل باستلزام الغواية ، فإن العطف يفيد تكرير العامل واستقلاله بالحكم ، فهو في قوّة التكرار فكأنه قال: من عصى الله فقد غوى ، ومن عصى رسوله فقد غوى ، لا يقال: عصيان أحدهما عصيان للآخر فلا يتصوّر الإنفراد لأنا نقول كذلك ، لكن المراد تفظيع المعصية بأنه لو فرض وجودها من رسوله وحده لكانت مستقلة بالإغواء فكيف وهي لا توجد إلا منهما وهو معنى دقيق في غاية التحقيق ، وفيه إيماء لطيف وإنهاء شريف إلى أن المحبة مادة الاجتماع على وجه الكمال بحيث إنه لا يحتمل المغايرة ولذا قيل:

* أنا من أهوى ومن أهوى أنا * ) 2

والمخالفة موجبة للإفتراق ولذا قال: 16 ( { هذا فراق بيني وبينك } ) [ الكهف 78 ] ولتلك المحبة علامات من أظهرها ما أشار إليه يحيى بن معاذ الرازي بقوله: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالعطاء ، ولا تنقص بالجفاء ، ولا يتم هذا إلا لصديق جذبته أزمة العناية حتى أوقفته على عتبة الولاية ، وأحلته في رياض الشهود المطلق ، فرأى أن محبوبه هو الحق وما سواه باطل محقق .

( ومن أحب ) أي وثانيتهما محبة من أحب ( عبدًا ) أي موسومًا بالعبودية لله حرًا كان أو مملوكًا ( لا يحبه ) أي لشيء ( إلا الله ) والإستثناء مفرغ ، أي لا يحبه لغرض وعرض وعوض ، ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أمر بشري ، بل محبته تكون خالصة لله تعالى ، فيكون متصفًا بالحب في الله وداخلًا في المتحابين لله . والجملة حال من الفاعل ، أو المفعول ، أو منهما .

( ومن يكره ) أي وثالثتهما كراهة من يكره ( أن يعود ) أي يرجع ، أو يتحوّل ( في الكفر ) وقيل أن يصير بدليل تعديته بفي على حد 16 ( { أو لتعودن في ملتنا } ) [ الأعراف 88 ] فيشمل من لم يسبق له كفر أيضًا ولا ينافيه قوله ( بعد أن أنقذه الله منه ) أي أخلصه ونجاه من الكفر لأن أنقذ بمعنى حفظ بالعصمة ابتداء بأن يولد على الإسلام ، ويستمر بهذا الوصف على الدوام ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، أو لا يشمله ولكنه مفهوم من طريق المساواة بل الأولى . وفيه إيماء إلى قوله تعالى: 16 ( { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ) [ البقرة 257 ] أي بهدايته وتوفيقه ، فهو يعم الإبتداء والإنتهاء ( كما يكره أن يلقى في النار ) أي وكراهة من يكره الصيرورة في الكفر مثل كراهة الرمي والطرح في النار ، وفي رواية البخاري: ( حتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ) ، وفي أخرى لهما: ( من كان يكره أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إليه يهوديًا أو نصرانيًا ) ، وفي رواية النسائي: ( وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئًا ) يعني أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت