الوقوع في نار الدنيا أولى بالإيثار من العود في الكفر . وفيه إيماء إلى قول السادة الصوفية: الحجاب أشد العذاب .
ثم اعلم أن الخصلتين الأوليين من أبواب التحلي بالفواضل والفضائل ، والخصلة الأخيرة من أنواع التخلي من الرذائل ؛ ففيها تحثيث وتحريض ، وترغيب وتحريص على تحصيل بقية الشمائل ، وإيماء إلى أن المذكورات أمهات لغير المسطورات . ( متفق عليه ) ورواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة بلفط: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) كذا في الجامع الصغير للسيوطي .
( 9 ) ( وعن العباس بن عبد المطلب ) أي عم النبي ، وكان أسن من النبي بسنتين . ومن لطافة فهمه ومتانة علمه أنه لما سئل: أنت أكبر أم النبي ؟ قال: هو أكبر وأنا أسن . وأمه أول امرأة كست الكعبة الحرير والديباج وأصناف الكسوة ؛ وذلك أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إنْ وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت ذلك . وكان العباس رئيسًا في الجاهلية ، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية ؛ أما السقاية فهي معروفة بسقاية الحاج ، وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشًا على عمارته وبالخير وترك السباب فيه وقول الهجر . قال مجاهد: ( عتق العباس عند موته سبعين مملوكًا ) .
ولد قبل سنة الفيل ، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين ، وهو ابن ثمان وثمانين ، ودفن بالبقيع . وكان أسلم قديمًا وكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر مكرهًا ، فقال النبي: ( من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرهًا ) ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمر ، ففادى نفسه ورجع إلى مكة ، ثم أقبل إلى المدينة مهاجرًا وروى عنه جماعة .
( قال: قال رسول الله: ذاق طعم الإيمان ) أي نال وأدرك وأصاب ووجد حلاوته ولذته ؛ وأصل الذوق وجود أدنى طعم في الفم ، والمراد به الذوق المعنوي ، وأغرب ابن حجر حيث قال: ذوقًا حسيًا ، أو معنويًا ( من رضي ) أي قنع نفسه وطاب قلبه وانشرح صدره واكتفى ( بالله ربًا ) أي مالكًا وسيدًا ومتصرفًا ، ونصبه على التمييز وكذا أخواته ( وبالإسلام ) أي الشامل للإيمان ( دينًا ) عطف عام على خاص ( وبمحمد ) والظاهر أنه ملحق وليس لفظ النبوّة ( رسولًا ) عطف خاص على عام ، والمقصود من الرضا الإنقياد الباطني والظاهري ، والكمال أن يكون صابرًا على بلائه وشاكرًا على نعمائه ، وراضيًا بقدره وقضائه ومنعه