وقال / بعضهم: الذكر بالجهر حالة لا توجد في ذكر النفس، وهو 14 ب الجمع بين الظهور والبطون، فإنّ لذكر يتصوره في النفس أولا، ثم ينطق به، فيسمعه، فيستحضره ثانيا بحدّ سماعه، فيتم الدور، فهو أكمل وأجمع، فإنّ الله هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وله الحمد في الآخرة والأُوْلى.
التنبيه الثاني:
قال السيوطي رحمه الله في نتيجة الفكر في الجهر بالذكر: سألت أكرمك الله تعالى عما اعتاده السادة الصوفية من عقد حلق الذكر في المساجد ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك مكروه؟.
والجواب: أنه لا كراهة في شيء من ذلك، وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر، وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به، والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كما جمع النووي بذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر بقراءة القرآن والأحاديث الواردة باستحباب الإسرار بها وها أنا أبين ذلك فصلًا فصلًا.
ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحًا أو التزامًا، ثم ساق أربعة وعشرين حديثا [1] ، ثم قال:
فصل:
إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث، عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر، بالذكر بل فيها [2] ما يدل على استحبابه، إما صريحًا أو التزامًا كما أشرنا إليه، وأما معارضته بحديث: (خير الذِّكر الخفي) فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث المُسِر بالقرآن، كالمُسر بالصدقة، وقد جمع النووي [بينهما] [3] بأن الإخفاء أفضل، حيث خاف الرياء، أو تأذى به مصلون، أو نيام، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع هَمَّهُ إلى الفكر ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط، وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض
(1) بل خمسة وعشرون حديثا، انظر الحاوي للفتاوي 1/ 376 ـ 379/ ش.
(2) كتب فيه: وما أثبتناه من الحاوي للفتاوي 1/ 379 / ش.
(3) زيادة من الحاوي للفتاوي 1/ 379 / ش.