القراءة، والإسرار ببعضه؛ ا لأن المُسر قد يَمَلُّ، فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلُّ، فيستريح بالإسرار، انتهى.
وكذلك نقول، في الذكر على هذا التفصيل، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، قال: فإن قلت: قد قال تعالى: [وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ] [1] / قلت: الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه: 15 أ
الأول: أنها مكية كآية الإسراء [وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا] [2] ، وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وسلّم يجهر بالقرآن، فيسمعه المشركون، فيسبون القرآنَ، ومَن أنزله، فأُمِر بترك الجهر؛ سدًا للذريعة، كما نُهِيَ عن سَبِّ الأصنام لذلك في قوله تعالى: [وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ] [3] .
قلت: وقد جاء عن ابن عباس سببٌ آخر، فأخرج ابن مردويه في التفسير من رواية يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس بعد ذكر السبب المذكور، أعني سَبَّ المشركين القرآن ومَن أنزله، فنزلت [وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ] [4] فكان لا يسمع مَن خلفَه من المؤمنين، فشقّ عليهم، فنزلت [وَلَا تَجْهَرْ] .
قال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار: وقد رجح بعضهم السبب الثاني، ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الأمرين معا، انتهى.
وهو دليل على أنّ الجهر في قوله تعالى [وَدُونَ الْجَهْرِ] هو الجهر الزائد على قدر الحاجة، لأنّ الصحابة لمَّا شقّ عليهم كون النبي صلى الله عليه وسلم لا يُسمِعُهم، أنزل الله تعالى [وَلَا تُخَافِتْ بِهَا] بحيث لا تُسمِع مَن خلفك من المؤمنين، فإذا أسمعهم فقد جهر بقدر الحاجة بلا شك، وحينئذ فالجهر المنهي عنه بقوله: [وَلَا تَجْهَرْ] هو الزائد على قدر الحاجة، وهو المطلوب، وبالله التوفيق.
ولنرجع إلى نقل تمام كلام السيوطي رحمه الله تعالى، قال:
(1) الأعراف 205
(2) الإسراء 110
(3) الأنعام 108، والنقل الطويل هذا من الحاوي للفتاوي 1/ 376 ـ 379 / ش.
(4) الأعراف 205