وهذا الحديث شاهد للحديث القدسي الصحيح كشفا، أعني قوله صلى الله عليه وسلم رواية عن ربه تعالى وتقدّس: ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن التَّقي النقي الوادع [1] . وفي رواية الإمام أحمد في الزهد عن وهب بن منبه بلفظ: إنّ السماوات والأرض ضعفت عن أن يَسَعْنَنِي، ووسعني قلب عبدي المؤمن الوادع الليّن. والوادع بالدال المهملة الساكن المطمئن، من ودع أي سكن واستقر، فهو بسكونه يحفظ الحق، فهو في معنى الصلابة، والتَّقى بالتاء في معنى الرقيق الصافي، لأنّ القاسي اليابس لا تقوى فيه، والنقي بالنون في معنى الصافي، قال الشيخ صدر الدين القونوي [2] قُدِّس سرّه في النفحات: التقى هاهنا الاحتراز من أن يجتاز بالقلب شيء غير الحق، أو يبقى فيه متسع لكونٍ أصلا، والنقاء كمال الطهارة عن التعلق بالسوء، انتهى.
وقد بسطنا القول في شرح هذا الحديث القدسي في المسلك الوسط إلى الدر الملتقط، فمن أراده فليراجعه، والله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه مَن يُنيب، والحمد لله رب العالمين.
والحاصل أنّ رفع الصوت بالذكر يختلف باختلاف مراتب الذاكرين، فإنّ المبتدئ المريد والسالك عامل على جلاء قلبه، محتاج إلى الجهر والقوة فيه؛ لتحصيل الرقّة والصفاء كما مرّ، وأمَّا المنتهي العارف، والمحقق، فله حكم آخر، فإذا جهر فله ملحظ آخر؛ لكونه أكمل، كما يظهر مما قاله بعض المحققين، إنّ مَن ذكره في الملأ، فقد ذكره في نفسه، فإنّ ذكر النفس متقدم بلا شك، وما كل مَن ذكره في نفسه ذكره في ملأ، فهذه حالة زائدة على ذكر النفس، بها مرتبة تفوت صاحب ذكر النفس، انتهى.
(1) جامع احاديث 1/ 66 / ش، وفيه: في الخبر قال الله تعالى: لم يسعنى أرضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى المؤمن اللين الوادع. رواه الغزالى في الإحياء ج 3 ص 14/ 4. وقال العراقى: لم أر له أصلًا. وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: لا أصل له.
(2) هو محمد اسما وصدر الدين لقبًا وأبو المعالي كنية وابن إسحاق بن محمد بن يوسف بن على، الشهير بالقونوي .. وكان أبوه اسحق ذا مكانة حتى انه كان يدعى من أشراف السلاجقة نسبًا. كان واحدا من تلامذة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وهو من أوائل التلاميذ توفي عام 672 هجري، وقد كان استاذ قطب الدين الشيرازي شارح فلسفة الامام السهروردي. له مؤلفات كثيرة أغلبها يدور في فلك الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وقد بقيت مخطوطات يكاد يطويها النسيان. من مؤلفاته تبصرة المبتدئ وتذكرة المنتهي - فكوك النصوص في مستندات حكم الفصوص للشيخ الأكبر - التجليات - النفحات وغيرها.