يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، قال سيدي الشيخ يوسف العجمي رضي الله عنه: قد اعترض بعض الفضلاء على الجهر بالذكر مستدلًا بقوله تعالى: [وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ] [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلّم: (خير الذكر ما خفي) والجواب، فذكر من الآيات وبيانها ما يدل على تفاوت مراتب الخاصة والعامة في الخطاب الإلهي الوارد في القرآن، الدال على اختلاف مراتب الأحوال والأشخاص، فقال: إنّ الله خاطب عامة عباده بمثل قوله: [أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ] [2] وخاطب الخاص بمثل قوله: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [3] ، وخاطب سيد أهل الحضرة محمدًا صلى الله عليه وسلّم، بعد أن عرفه ربه ونفسه، وأراه كيف مد الظل بمثل قوله: [وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً] [4] وقوله: [أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ] [5] فمن لا يعرف ربه ولا نفسه، ولا أراه كيف مد الظل، فكيف يذكر ربه في نفسه؟ أو كيف / يرى مد الظل؟ بل هم المخاطبون 13 ب بمثل قوله تعالى: [اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا] [6] وأما الذكر الخفي فهو ما خفي عن الحفظة، لا ما يخفض فيه صوته، وهو أيضًا خاص به صلى الله عليه وسلّم وبمن له به أسوة حسنة، ثم ساق أحاديث من صحيح البخاري وغيره؛ دالة على استحباب الجهر، منها أثر عُمر السابق، أعني قوله (نوِّروا الذكر) أي ارفعوا به أصواتكم، ثم قال: والجمع بين الأدلة أن الذاكرين إذا كانوا مجتمعين على الذكر فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر والقوة، وأما إذا كان الذاكر وحده فإن كان من الخاصة فالإخفاء في حقه أولى، وإن كان من العامة فالجهر في حقه أفضل، وقد شبه الغزالي رحمه الله تعالى ذكر شخص واحد وذكر جماعة مجتمعين بمؤذن واحد، وجماعة مؤذنين، فكما أن أصوات الجماعة تقطع جرم الهواء؛ أكثر من صوت شخص واحد، فكذا ذكر جماعة، على قلب واحد؛ أكثر تأثيرًا في رفع الحجب، من ذكر
(1) الأعراف 105
(2) الغاشية 17
(3) محمد 24
(4) الأعراف 205
(5) الفرقان 45
(6) الأحزاب 41