صريحا حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ في الصحيحين وغيرهما، واللفظ للبخاري في الجهاد، قال: قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ .... الحديث [1] .
قال الحافظ الن حجر [2] : (وَاِرْبَعُوا) بِهَمْزَةِ وَصْل مَكْسُورَة ثُمَّ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة أَيْ اُرْفُقُوا وَلَا تُجْهِدُوا أَنْفُسكُمْ، انتهى.
فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالرفق وهو إنما يقتضي ترك الصياح المُفرِط، لا ترك أصل الجهر؛ جمعًا بين الأدلة.
ومنه / يظهر أنّ المراد بالجهر في قوله تعالى: [وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي 9 أ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ] [3] أيضا هو الصياح البالغ، لا مطلق الجهر؛ جمعا بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على مشروعية الجهر بالقول في الذكر، واستحبابه وبالله التوفيق.
وبما تقرر من الجمع بين الأدلة، يظهر أنْ رفع الصوت بالذكر ليس بدعة مخالفة للأمر في آية [وَدُونَ الْجَهْرِ من الْقَوْلِ] فما نقله في البحر الرائق عن الكمال بن الهمام في فتح القدير ما نصه: قال أبو حَنِيفَةَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةٌ مُخالِفَةٌ للأمْرِ من قَوْله تَعَالَى [وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ من الْقَوْلِ] فَيَقْتَصِرُ على مَوْرِدِ الشَّرْعِ وقد وَرَدَ بِهِ في الأضْحَى وهو قَوْله تَعَالَى [وَاذْكُرُوا اللَّهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ] [4] جاء في التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّكْبِيرُ في هذه الْأَيَّامِ انتهى جوابه [5] .
إنَّا نقول بالموجَب من الاقتصار على مورد الشرع، لكن قد ورد [في] [6] الأحاديث الصحيحة الدالة على استحباب الجهر بالذكر مطلقا ومقيّدا إذا كان دون
(1) صحيح البخاري 7/ 525 / ش، والحديث بتمامه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ.
(2) فتح الباري 18/ 174/ ش.
(3) الأعراف 205
(4) البقرة 203
(5) البحر الرائق شرح كنز الدقائث، لزين الدين بن نجيم الحنفي، 2/ 207 / ش.
(6) زياد يقتضيها السياق.