ونقل الحافظ ابن رجب في الطبقات، في ترجمة ابن الجوزي [1] ما ملخصه أنه أنكر على من يرفع الصوت في أواخر الليل بالذكر على المنارة، لكونه يمنع الناس نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، انتهى.
فهذا ظاهر أنه كمذهب الشافعي في جواز رفع الصوت، بل استحبابه بالذكر، حيث لا محذور شرعيًا، فإنّ الحديث الذي احتج به ليس فيه إلاّ النهي عن رفع بعضهم على بعض المتضمن للإيذاء، لا مطلقا، والله أعلم.
ويؤيده ما سيأتي من رواية الإمام أحمد في الزهد، عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أنّ عبد الله بن مسعود كان ينهى عه الذكر، ما جالست عبد الله مجلسا قط إلاّ ذكر الله تعالى فيه، فإنه صريح في أنّ عبد الله بن مسعود كان يجهر بالذكر في مجالسه، بحيث يسمع أصحابه.
ومنها ما أخرجه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه أبصرهم يُهللون، ويُكبرون، فقال: هي هي وربّ الكعبة، فقيل: وما هي؟ قال: [كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا] [2] . رواه عنه الحافظ أبو عبد الله الحسين بن محمد بن خُسْرَوْ البلخي، مؤلف مسند الإمام أبي حنيفة رحمه الله، على ما في الجامع الكبير للسيوطي [3] .
ومِن المعلوم أن عُمر لم يبصرهم كذلك، إلاّ لكونهم جهروا بالتكبير والتهليل، لأنّ التهليل والتكبير مما لا يُرى، فإنْ لم يسمعهم يجهرون بها، كيف أبصرهم يُهللون ويُكبرون! وهو ظاهر.
ويزيده وضوحا ما أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن علي الأزدي قال: كنت مع ابن عمر، وساق نحو حديث عُمر، وفيه: فسمع لناس يقولون: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، كما في الدر المنثور [4] ، وذلك أنّ الأزدي صرّح بأنّ ابن عمر سمع الناس.
(1) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 391 / ش.
(2) الفتح 26
(3) جامع الأحاديث 26/ 375 / ش
(4) الدر المنثور 7/ 537 / ش