فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 56

هذا حديث حسن على شرط الترمذي؛ لوروده من غير وجه، وعدم اتهام أحد من رواته بالكذب، فهذا رفع الصوت بالذكر في المسجد، قد أقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان حرامًا لَما أرّه.

ومنها حديث كعب في صحيح البخاري [1] أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ.

قال: الحافظ ابن حجر في فتح الباري [2] : وَفِي الْحَدِيثِ جَوَاز رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَالْمَنْقُول عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ التَّفْرِقَة بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ الْمُهَلَّب: لَوْ كَانَ رَفْع الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انتهى.

ولا شك أنّ الذكر من الخير، فرفع الصوت به في المسجد، مالم يستلزم محذورا شرعيا جائز في مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، وقال القاضي شمس الدين البساطي المالكي في شرح مختصر خليل، بعد سوق أشياء يُكره تعاطيها في المسجد ما نصه: ويُكره فيه أيضا أن يُرفع فيه الصوت إلاّ للتبليغ، ولو كان ذلك الشيء الذي يرفع صوته به مما يُندب أو يُباح في المسجد كإقراء العلم، انتهى.

وأقرّه التتاي في شرح مختصر خليل، حيث قال: وكره فيه رفع صوت بعلم أو غيره، البساطي [3] إلاّ للتبليغ، انتهى.

فظهر أنّ الكراهة في هذه الرواية مقيّدة أيضا، والله أعلم، وهذا التقييد يتعيّن، فإنه الموافق للدليل، فإنه لما استدل البخاري على جواز رفع الصوت بالعلم بحديث اِبْنِ عَمْرٍو، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ [4] .

(1) صحيح البخاري 1/ 467/ ش

(2) فتح الباري 2/ 195 / ش

(3) ربما يعني في كتاب المبسوط

(4) صحيح البخاري 1/ 64 / ش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت