عَناه. وأمَّا رؤيته لله يقظةً، فتحصل له كثيرا في التجلِّيات القلبية، إذ هي حاصلة للأولياء ممن هو أدناه.
وأمَّا حِليتُه فكان رجلا طويلا، حسن الخُلُق والخِلْقَة البهية، مفلج الأسنان، أسمر اللون، خفيفا عارضاه، حسن الصوت، على أنفِهِ أثر جُدرية، مُحبا إلى الناس، فصيح اللسان، نظيف الثوب أنقاه، شديد المهابة، كثير الإحسان إلى الخلق بالعَطيّة، كان يستعمل الخِضاب بالحُمرة والصُفرة؛ اتباعا لرسول الله، [صلى الله عليه وسلم] [1] ، وكان مَن رآه استحيى منه، وداخله هيبة ظاهرية، وشمائله كالروض الباسم في زهرته وزَهاه , وكان لفظه كأنه حَلوى سُكرية، يستلذه السامعون، وتَسْكَر الأذهان من رقة معناه / وكان 6 أ يختم كل يوم وليلة خِتمة قرآنية، وفي رمضان ستين ختمة، إلى أنْ رفعه الله إليه وتوفاه، وكان يَقسم الليل ثلاثة أقسام، قسمةً عدلية، الثلث الأول للعلم، والثاني للنوم، والثالث للصلاة، وكان يحفظ ألف بيت من شِعر الهُذلية، فكيف بغيرها من شعر العرب وحكاياه!
وكان إذا نظر في أعظم مجلد من الكتب العلمية، حفظه بمجرد نظره إليه؛ لشدة حفظه وذكاه، وكان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي في كل قضية، وإذا رأينا صاحبَ بِدعة يمشي على الماء ما قبلناه، وما حلف بالله لا صادقا ولا كاذبا، تعظيما لرب البيرية، وما ناظر أحدا إلاّ وأحبَّ أن يَظهر الحقُ على يدي الخصم ليراه.
وأمَّا الكرم بالنسبة إليه فمُستحقر عنده المكارم الحاتمية، وأمَّا حِلْمه ورزانته وسيرته فكلها أخلاق رسول الله [صلى الله عليه وسلم] [2] وسجاياه، ومن كرمه أنه فرّق أربعين ألف دينار مع الفاقة الكُليّة، وأعطاه الإمام مالك عشرة أحمال من المال، فأنفقها لله، ووقعت منه العصا، فناولها له رجل من الطُرقية، فأعطاه خمسمائة دينار، وأجزل حَباه، وخاط له الخياط ثوبا، فجعل أحد الكُمين واسعةً، والأخرى ضيّقةً؛ لأجل السُخرية، فقال الإمام: جزاك الله عنا
(1) زيادة على الأصل.
(2) زيادة على الأصل.