والثاني: أنّ (ما) تقع بمعنى الذي بلا خلاف، والذي تستعمل فيمن يعقل، وفيما لا يعقل، وإنما يعرف ذلك بما يتصل بها، فإن اتصل بها ما يدل على أنها لمن يعقل، حملت عليه، وإن دلّ على أنها لما لا يعقل، حملت عليه، وكذلك في (ما) ، لا سيما إذا اتصل بها ما تصير به وصفا، وإنما تفترق (ما) و (الذي) في أنّ الذي توصف بلفظها، وما لا توصف بلفظها، فإن قيل: كيف يصح هذا والرحماء جمع، وما بمعنى الذي مفردة، والمفرد لا يخبر عنه بالجمع؟ قيل: (ما) يجوز أن يخبر عنها بلفظ المفرد تارة، وبلفظ الجمع أخرى، مثل (مَن) و (كل) ، كقولك: ما عندي ثياب، وما عندي ثوب، ولا خلاف في ذلك، كما إنه لا خلاف في قولك: جاءني مَن تعرفه، ومن تعرفهم، ومنه قوله تعالى: [ومنهم من يستمع إليك] (1) وقال في آية أخرى: [ومنهم من يستمعون إليك] (2) وكذلك قوله عزّ وجلّ: [بلى من أسلم وجهه لله] (3) ثم قال [ولا خوف عليهم] (4) ، وقال في كل: [وكل أتوه داخرين] (5) و [كلهم آتيه ... يوم القيامة فردا] (6) ، فالأفراد محمول على لفظ (مَن) و (ما) و (كل) والجمع ... محمول على معانيها 0 وأمّا الذي فقد استعملت مفردة للجنس، ورجع الضمير تارة إلى لفظها مفردة، وتارة (7) إلى معناها مجموعا، قال الله تعالى: [مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم] (8) فجاء بالضمير مفردًا وجمعًا،
وقال الله تعالى: [والذي جاء بالصدق وصدّق أولئك هم المتقون] (9) فهي مثل الآية الأولى، ومنه قول الشاعر (10) :
(و) إنّ الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد (الطويل)
(1) سورة الأنعام، آية 25، وسورة محمد، آية 16
(2) سورة يونس، آية 42
(3) سورة البقرة، آية 112
(4) سورة البقرة، آية 112، وقد وردت في الأصل (فلا) والتصويب من القرآن الكريم 0
(5) سورة النمل، آية 87
(6) سورة مريم، آية 95
(7) في الأصل (فتارة) بالفاء، والتصويب من ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة 2/ 119
(8) سورة البقرة، آية 17 ... (9) سورة الزمر، آية 33
(10) هو الأشهب بن رميلة، وفلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، حانت دماؤهم: أي لم يؤخذ لهم بدية ولا قصاص،
هم القوم كل القوم: أي القوم الكاملون في قوميتهم، وقد ورد الشاهد بدون الواو، والتصحيح من: سيبويه
الكتاب 1/ 187، وابن الشجري، أمالي ابن الشجري 2/ 307، والسيوطي، شواهد المغني، ص 517،
والبغدادي، خزانة الأدب 2/ 315 0