فأعاد الضمير إلى أحد المعنيين، وفُهم من ذلك التنبيه على الأخرى، وكذلك قول الآخر (1)
لِمَن زحلوقة زلّ بها العينين تنهلُّ (2) ... (الهزج)
فأعاد الضمير إلى الخصلة المذمومة، فالتجارة خصلة، واللهو خصلة، فأتى بالضمير الجامع بالمعنى دون اللفظ، وهذا كما في المذكر في قوله (تعالى) (3) : [ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا] (4) أي: بذلك الفعل الذي هو خطيئة، أو إثم، وكذلك قوله تعالى: [والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله] (5) فأعاد الضمير عند قوم إلى الفضة؛ لأنها أقرب المذكورين، وقال آخرون: الذهب يؤنث أيضًا، وقال قوم: إنه أعاد الضمير إلى الأموال؛ لأنّ الذهب والفضة أموال، وقال قوم: الذهب جنس، والفضة جنس، وكل جنس يشتمل على أنواع، فعاد الضمير على أنواع الجنسين، وهذا كقوله تعالى: [فإذا هم فريقان يختصمون] (6) فكل واحد من الفريقين يشتمل على آحاد، فكان الاختصام راجعًا إلى آحاد الفريقين، لا إلى لفظ الفريقين، والله أعلم 0
2 ـ وقال رحمه الله: سألني سائل عن قوله صلى اله عليه وسلم:"إنما يرحم الله من عباده الرحماء" (7) فقال: أيجوز في الرحماء النصب والرفع؟ وذكر أنّ بعضهم زعم أنّ الرفع غير جائز، فأجبت وبالله التوفيق بأنّ الوجهين جائزان، أمّا النصب فله وجهان:
أقواهما: أن تكون (ما) كافة لإنّ عن العمل، فلا يكون في الرحماء على هذا إلاّ النصب؛ لأنّ (إنّ) إذا كُفت عن العمل، وقعت بعدها الجملة من الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، ولم يبق لها عمل، فيتعين حينئذ أن تنصب الرحماء بيرحم، إذ لم يبق له تعلّق بإنّ، ومثله[
إنما حرّم عليكم الميتة] (8) على قراءة مَنْ نصب (9) ، والفائدة من دخول ما على هذا الوجه إثبات المذكور، ونفي ما عداه، ومعنى ذلك: أن تثبت رحمة الله (10) للرحماء دون غيرهم 0
(1) لامريء القيس، قيل: أنشده وهو في مرضه، حين رأى قبرا يحفر له، ونسب في التعليقة على المقرب للنابغة الجعدي، والزحلوقة: أهل العالية من نجد يقولون: الزحلوفة، وتميم تقولها بالقاف، وهي آثار تزلج الصبيان فوق التل، والزل: ما تزل عنه القدم، ديوان امريء القيس، ص 154، وابن جني، المحتسب 2/ 180، والقالي أمالي القالي 1/ 42، والبهاء بن النحاس، التعليقة على المقرب، ص 118 ب 0
(2) في الأصل: لمن زحلوقة زلوا ... به الفيان تنهل، وما أثبتناه هو الصواب 0
(3) زيادة يقتضيها السياق 0 ... (4) سورة النساء، آية 12 (5) سورة التوبة، آية 34 ... (6) سورة النمل، آية 45 (7) ورد إعراب هذا الحديث في كتابه إعراب الحديث، ص 14، وكان حديثه عنه مختصرا
(8) سورة البقرة، آية 173، وسورة النحل، آية 115 ... (9) قراءة النصب هي قراءة الجمهور 0
(10) وردت هذه المسألة في كتاب الذيل على طبقات الحنابلة مع اختلاف يسير في اللفظ دون الجوهر 0