وأبو البقاء يعول كثيرا على ما كثر استعماله، شأنه في ذلك شأن البصريين، فزيادة (ما) في الكلام كثير، ووقوع (إنّ) بمعنى نعم كثير أيضا، واستعمال (ما) بمعنى (مَنْ) كثير في القرآن، وإتيان المصدر بمعنى المفعول كثير، و (لو) بمعنى (أنْ) الناصبة للفعل المستقبل كثير في القرآن والشعر 0
ونلمح شخصية أبي البقاء الحوارية، فنراه يذكر الوجوه المختلفة في المسألة التي يطرحها، ولا يغفل ما يمكن أن يخطر ببال القارئ من اعتراضات، فيذكر ذلك ويعلله، فوقوع (إنّ) بمعنى نعم كثير، فإن قيل: إنما يجيء ذلك بعد كلام تكون (إنّ) جوابا له، ولم يسبق ما يجاب عنه بنعم، قيل: إنْ لم يسبق لفظا فهو سابق تقديرا، وفي رفع الرحماء من قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما يرحم الله من عباده الرحماء"يمكن أن تكون (ما) بمعنى الذي، والعائد إليها محذوف، والرحماء خبر إنّ، فإن قيل: يلزم من ذلك أن تكون (ما) ههنا لمن يعقل، ففيه جوابان:
الأول: أنّ ما قد استعملت بمعنى مَنْ، وهو كثير في القرآن 0
والثاني: أنّ ما تقع بمعنى الذي بلا خلاف، والذي تستعمل فيمن يعقل، وفيما لا يعقل، ... وإنما يعرف ذلك بما يتصل بها، فإن اتصل بها ما يدل على أنها لمن يعقل حملت عليه، وإن دلّ على أنها لما لا يعقل حملت عليه، وكذلك (ما) ، فإن قيل: كيف يصح هذا والرحماء جمع، وما بمعنى الذي مفردة، والمفرد لا يخبر عنه بالجمع؟ قيل: ما يجوز أن يخبر عنها بلفظ المفرد تارة، وبلفظ الجمع أخرى، مثل: (مَنْ) و (كل) كقولك: ما عندي ثياب، وما عندي ثوب، ولا خلاف في ذلك، كما أنه لا خلاف في قولك: جاءني مَنْ تعرفه، ومن تعرفهم 0 ومن وجوه (ما) التي يجوز معها رفع الرحماء أن تكون ما نكرة موصوفة، ويرحم