دعاء الافتتاح، لا يكون معذورا إذا اشتغل به، وليس كذلك، بل هو معذور، وعبارة الرملي، وابن حجر، واللفظ للثاني، وظاهر كلامهم هنا عذره، وإنْ لم يندب له دُعاء الافتتاح، بأنْ ظنّ أنه لا يدرك الفاتحة لو اشتغل به، كما هو المعتمد، وحينئذ يشكل بما مرّ في تارك الفاتحة متعمدا، إلاّ أنْ يفرق بأنّ له هنا نوع شبهة، لاشتغاله بصورة سُنة، بخلافه فيما مرّ، وأيضا فالتخلف لإتمام الفاتحة أفحش منه هنا، ويشكل أيضا بما يأتي في المسبوق، مع أنّ سبب عدم عذره كونه اشتغل بالسنّة عن الفرض، إلاّ أن يفرق بأن المسبوق يتحمل عنه الإمام، فأحيط له بأنْ لا يكون صرفَ شيئا لغير الغرض، والموافق لا يتحمل عنه، فعذر للتخلف لإكمال الفاتحة، وإنْ قصّر بصرفه بعض الزمن لغيرها، لأنّ تقصيره باعتبار ظنه، دون الواقع، والحاصل / من كلامهم أننا بالنسبة للعذر وعدمه ندير الأمر 10 أ على الواقع، وبالنسبة لندب الإثبات بنحو التعوذ، ندير الأمر على ظنه، انتهى.
فإن تحقق فوت الفاتحة إذا اشتغل بالسنة، فلا عذر له في التخلف كالبطيئ، لأنه مقصر، بل إنْ أتمّ الفاتحة، وأدرك الإمام في الركوع، وإلاّ فاتت الركعة، وفي بطلان صلاته وجهان:
أصحهما لا تبطل إنْ أدركه في الاعتدال، فإنْ لم يدرك معه الاعتدال، بطلت صلاته، انتهى.
والوجه الثاني من الأوجه الثلاثة أنه يركع مع الإمام، وتسقط عنه القراءة، وتُحسب له الركعة، وهو نصّه في الإملاء، كما أفاده البندنيجي [1] ، وعليه فلو اشتغل بإتمام الفاتحة، كان متخلفا
(1) البندنيجي (ت 425 هـ) : الحسن بن عبد الله بن يحيى، أبو علي البندنيجي: قاض، من أعيان الشافعية. من أهل بندنيجين (القريبة من بغداد، وهي مندلي الآن) سكن بغداد، وأفتى وحكم فيها. وعاد إلى بلده في آخر عمره فتوفي بها. له (الجامع) قال الاسنوي: هو تعليقة جليلة المقدار قليلة الوجود، و (الذخيرة) قال أيضا: كتاب جليل. كلاهما في فقه الشافعية. الأعلام 2/ 196