الموفق على شيوخ دمشق، وما زال يتقدم في العلم؛ حتى بلغ العشرين، فقام بين سنتي 560 هـ و 561 هـ برحلة علمية إلى بغداد، بصحبة ابن خالته الحافظ عبد الغني فأقاما عند الشيخ عبد القادر الجيلاني في مدرسته، فقرأ الموفق وعبد الغني عليه مختصر الخرقي، قراءة فهم وتدبر، وتوسم الجيلاني فيهما خيرًا؛ فأنزلهما في مدرسته وعندما توفي الجيلاني، تفقّه الموفق على شيخ حنابلة العراق أبي الفتح ا بن المنى، وأخذ عنه المذهب، ومسائل الخلاف، والأصول، ومكث في بغداد أربع سنين، سمع فيها من علمائها، ومحدثيها، وخلق كثير من أعلامها، وفقهائها، ثم عاد إلى دمشق سنة 567 هـ ثم خرج لرحلة علمية إلى أرض الحجاز، فدخل مكة، فحج، وسمع من علمائها، ثم دخل المدينة، وسمع من محدثيها، ثم عاد إلى دمشق سنة 575 هـ، وعمره أربع وثلاثون سنة.
وعندما استقر في دمشق بعد رحلاته هذه سار على طريقين: الأول هو الاشتغال بتصنيف كتابه الكبير المغني على مختصر الخرقي، والطريق الآخر التدريس لطلبة العلم الذين أقبلوا عليه من أنحاء الشام؛ للنهل من علومه، وكان يجلس للدرس من الضحى حتى الظهر، ثم بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ومن بعد العصر حتى المغرب، ثم يقوم بإحياء ما بين صلاة المغرب والعشاء بالسنن، يصلى أربع ركعات، يقرأ فيها حوالي الجزأين من القرآن، وكان مجلسه عامرًا بالفقهاء، والمحدثين، وأهل الخير.
كان الشيخ الموفق يعقد يوم الجمعة حلقة في جامع بني أمية بدمشق، يناظر فيها بعد الصلاة في كل مسائل العلم ومشاكله، وكان لا يناظر أحدًا إلا وهو يبتسم حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه وهو يبتسم، وكان في مناظراته يجعل النصوص الشرعية هي الحكم بينه وبين مناظريه، ولا يدخل معهم في جدل أهل الكلام والمراء، ولم يكن يرى الخوض