الصفحة 15 من 20

مالك بن أنس عمَّا يترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله عندنا الفُسَّاق، وكذلك قال / إبراهيم بن المنذر 2 ب الخزامي.

وعلى كلِّ حال فهو مكروه، ليس من شأن أهل الدِّين، فأمَّا فعله في المساجد، فلا يجوز، فإنّ المساجد لم تُبنَ لهذا، ويجب صونها عمَّا هو أدنى منه، فكيف بهذا الذي هو شِعار الفُسَّاق، ومنبت النِّفاق!!

وأمَّا الدُّف فهو أسهل هذه الخِصال، وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح، وجاءت الرخصة فيه في غير النكاح أيضا، ولا يتبيَّن لي تحريمه، إلاّ أن يكون الضَّارب به رجلا يتشبَّه بالنساء، فيحرُم، لما فيه من تشبّه الرجال بالنساء، أويُضرب به عند الميِّت، فيكون ذلك إظهارًا للسخط [1] بقضاء الله، والمحاربة له، فأمَّا إنْ خلا من ذلك، فلست أراه حرامًا بحال، وقد كان أصحاب عبد الله بن مسعود يخرقون الدفوف، ويُشددون فيها، وذكر ذلك أحمد عنهم، ولم يذهب إليه؛ لأنّ السنّة وردت بالرخصة فيه، وهي أحقُّ ما اتُّبِع، فقد روى عياض بن غنم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم [وقد] [2] شهِد عيدا بالأنبار فقال: ما أراكم تقلسون! كانوا يقلسون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعونه، قال يزيد بن هارون: التقليس: ضرب الدُّف، وقال أنس بن مالك: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بجوارٍ من بني النجار، وهنّ يضربن بدُفِّ لهنّ، وهنّ يقلن:

نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ... يََا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ

فقال: الله يعلم أنّي أُحبكم [3] .

وروي أنّ امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّي نذرت إنْ سلَّمَكَ الله أنْ أضرب على رأسك بالدُّف، قال: إنْ كنت نذرتِ فافعلي، وإلاّ فلا، أو كما جاء [4] .

وفي الجملة فإنه وإنْ رخّص فيه للاعب، فإنا نعتقده لعبًا ولهوا، فأمَّا مَن يجعله دِينا، ويجعل استماعه، واستماع الغناء قربة وطريقا إلى الله سبحانه، فلا يكاد يوصله ذلك إلاّ إلى سُخط الله ومقته، وربما انضم إلى ذلك النظر إلى النساء المُحرَّمات، أو غلام جميل،

(1) كتب: إظهار السخط.

(2) زيادة يقتضيها السياق.

(3) جاء في سنن ابن ماجة 6/ 12 / المكتبة الشاملة، الحديث رقم: 1889

حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِبَعْضِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا هُوَ بِجَوَارٍ يَضْرِبْنَ بِدُفِّهِنَّ وَيَتَغَنَّيْنَ وَيَقُلْنَ:

نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يََا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ اللَّهُ إِنِّي لَأُحِبُّكُنَّ.

(4) جاء في مسند أحمد 46/ 485 / المكتبة الشاملة / الحديث رقم: 21933

حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ تَعَالَى سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ فَقَالَ إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي وَإِلَّا فَلَا قَالَتْ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ قَالَ فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت