العدالة، وكذلك الرَّقَّاص، وأغلظها الشبّابة، فإنه قد روي فيها الحديث [1] الذي يرويه سليمان بن موسى عن نافع، قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع صوت زامر يرعى، فعدل عن الطريق، وأدخل أُصبعيه في أُذنيه، ثم قال: يا نافع! هل تسمع؟ هل تسمع؟ قلت: نعم، فمضى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، رواه الخلاّل في جامعه عن عوف بن محمد المصري، عن مروان الطاطري عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، ورواه أيضا عن عثمان بن صالح الأنطاكي عن محمود بن خالد عن أبيه عن المُطعم بن المقدام عن نافع، وسُئل أحمد عن هذا الحديث، فقال: يرويه سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر، وهذا مُبالغة من النبي صلى الله عليه وسلم في تحريمه؛ لسد أُذنيه، وعدوله عن الطريق، ولم يكتف بأحدهما عن الآخر، ولأنها من المزامير، ولا بلغنا عن أحد من العلماء الرخصة في المزمار، فهي كالطنبور، بل هو أغلظ، فإنه ورد فيها ما لم يرد فيه، وأمَّا الغناء، فقد اختلف العلماء فيه، وكان أهل المدينة يرخِّصون فيه، وخالفهم كثير من أهل العلم، وعابوا قولهم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الغناء يُنبت النفاق في القلب، وقال مكحول: مَن مات وعنده مُغنِّية لم يُصلَّ عليه، وقال معمر: لو أنّ رجلًا أخذ بقول أهل المدينة في السماع، يعني الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المُتعة والصَّرف [2] ، وبقول أهل الكوفة في المُسكر، كان شرَّ عباد الله، وسُئل
(1) جاء في سنن أبي داود 13/ 85 / المكتبة الشاملة. الحديث رقم: 4278
-حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغُدَانِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا قَالَ فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَنَأَى عَنْ الطَّرِيقِ وَقَالَ لِي يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا قَالَ فَقُلْتُ لَا قَالَ فَرَفَعَ إِصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ وَقَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْلُؤْلُؤِيُّ سَمِعْت أَبَا دَاوُد يَقُولُ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُطْعِمُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ مَرَّ بِرَاعٍ يَزْمُرُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ أَبُو دَاوُد أُدْخِلَ بَيْنَ مُطْعِمٍ وَنَافِعٍ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ عَنْ مَيْمُونٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَمِعَ صَوْتَ زَامِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ أَبُو دَاوُد وَهَذَا أَنْكَرُهَا
(2) الصَّرْفُ في الحَدِيثِ: الْمدِينَةُ حَرَمٌ ما بينَ عائَرٍ - ويُرْوَي عَيْرٍ - إِلى كَذا، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا، أَو آوَي مُحْدِثًا، فعليه لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ: التَّوْبَةُ، والعَدْلُ: الفِدْيَةُ قاله مَكْحُولٌ. أَو: هو الناقِلَةُ، والعَدْلُ: الفَرِيضَةُ قاله أَبو عُبَيْدٍ. أَو بالعَكْسِ أَي: لا يُقْبَلُ منه فَرْضٌ ولا تَطَوُّعٌ، نقله ابنُ دُرَيْدٍ عن بعضِ أَهلِ اللُّغَةِ. أَو هو الوَزْنُ، والعَدْلُ: الكَيْلُ أَو هو الاكْتِسابُ، والعَدْلُ: الفِدْيَةُ. أَو الصَّرْفُ: الحِيلَةُ وهوقولُ يُونُسَ ومنه قيل: فُلانٌ يَتَصَرَّفُ: أَي يَحْتالُ، وهو مجازٌ، وقال الله تعالى:"فما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا"وقال غيرُه في مَعْنَى الآيةِ: أَيْ ما يَسْتَطِيعُونَ أَن يَصْرِفُوا عن أَنْفُسِهِمُ العَذابَ ولا أَن يَنْصُرُوا أَنْفُسَهُم. وفي سِياقِ المصنِّفِ نَظَرٌ ظاهر. ثم إِنه ذَكَر للصِّرْفِ المذكورِ في الحَديثِ مع العَدْلِ أَربعةَ مَعانٍ، وفاتَهُ الصَّرْفُ: المَيْلُ، والعَدْلُ: الاسْتِقَامَةُ، قاله ابنُ الأَعرابِيّ: وقِيلَ: الصَّرْفُ: ما يُتَصَرَّفُ به، والعَدْلُ: المَيْلُ، قاله ثَعْلَبٌ، وقِيلَ: الصَّرْفُ: الزِّيادَةُ والفَضْلُ، وليس هذا بشَيءٍ، وقيل: الصَّرْفُ: القِيمة، والعَدْلُ: المِثْل، وأَصلُه في الفِدْيَةِ، يقال: لم يَقْبَلُوا منهم صَرْفًا ولا عَدْلًا: أَي لم يَأْخُذوا منهم دِيَةً، ولم يَقْتُلُوا بقَتِيلِهم رَجُلًا واحِدًا، أَي: طَلَبُوا منهم أَكْثَرَ من ذلك، وكانت العَرَبُ تَقْتُلُ الرجُلَيْنِ والثلاثةَ بالرَّجُلِ الواحدِ، فإِذا قَتَلُوا رَجُلًا برَجُلٍ فذلك العَدْلُ فيهم، وإِذا أَخَذُوا دِيَةً فقد انْصَرَفُوا عن الدَّمِ إلى غيره، فصَرَفُوا ذلك صَرْفًا، فالقِيمةُ صَرْفٌ، لأَنَّ الشيءَ يُقَوَّمُ بغيرِ صِفَتِه، ويُعَدَّلُ بما كانَ في صِفَتِهِ، ثم جُعِلَ بعدُ في كُلِّ شيءٍ، حتى صارَ مَثَلًا فيمَنْ لم يُؤْخَذْ منه الشَّيْءُ الذي يَجِبُ عليه، وأُلْزِمَ أَكْثَرَ منه، فتأَمَّلْ ذلِكَ. تاج العروس (صرف)