والتغبير اسم لهذا السماع، وقد كرهه الأئمة كما ترى، ولم ينضم إليه هذه المكروهات من الدفوف والشبَّابات، فكيف به إذا انضمت إليه، واتّخذوه دِينًا؟ فما أشبههم بالذين عابهم الله تعالى بقوله [وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً] [1] ، قيل المُكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق، وقال الله سبحانه لنبيه: [وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا] [2] .
ومن المعلوم أنّ الطريق إلى الله سبحانه إنما تُعلم من جهة الله تعالى، بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنّ الله تعالى رضيه هاديا ومُبيِّنا وبشيرا ونذيرا، وأمر باتِّباعه، وقرن طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، وجعل اتِّباعه دليلا على محبته، فقال سبحانه: [مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] [3] ، وقال سبحانه: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا] [4] ، وقال سبحانه: [إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ] [5] .
ومن المعلوم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شفيقا على أُمَّته، حريصا على هداهم، رحيما بهم، فما ترك طريقا تهدي إلى الصواب إلاّ شرعها لأمته، ودلَّهم عليها بفعله وقوله، وكان أصحابه عليهم السلام من الحرص على الخير والطاعة، والمسارعة إلى رضوان الله، بحيث لم يتركوا خصلة من خِصال الخير إلاّ سابقوا إليها، فما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، أنه سلك هذه الطريقة الرديئة، ولا سهر ليله في سماع يتقرّب به إلى الله سبحانه، ولا قال مَنْ رقص فله من الأجر كذا، ولا قال الغناء يُنبت الإيمان في القلب، ولا استمع الشبابة، فأصغى إليها وحسّنها، أو جعل في استماعها وفعلها أجرا، وهذا أمر لا يمكن مكابرته، وإذا صحَّ هذا لزم ألاّ يكون قُربة إلى الله سبحانه، ولا طريقا موصلًا إليه، ووجب أن يكون من شرِّ الأمور، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) [6] ، وهذا / منها وقال عليه السلام: (كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) [7] 2 أ وقد سمّى الأئمة هذا بِدعة، بما ذكرناه.
فأمَّا تفصيل هذه المسموعات من الدّفِّ والشبَّابة، وسماع كل واحد منهما منفردة، فإنّ هذه جميعها من اللعب، فمَن جعلها دأبه، واشتهر بفعلها واستماعها، أو قصدها في مواضعها، أو قصد من أجلها، فهو ساقط المروءة، ولا تُقبل شهادته، ولا يُعدُّ من أهل
(1) الأنفال 35
(2) الأنعام 70
(3) النساء 80
(4) الأحزاب 36
(5) آل عمران 31
(6) صحيح مسلم 4/ 359 / المكتبة الشاملة.
(7) سنن النسائي 6/ 27 / المكتبة الشاملة.