الصفحة 7 من 12

وَمُوهِمٌ بِغيرِ مَنْ عَنهُ نَقَل مُدلَّسٌ [1] كَذِكْرِهِ الوصْفَ الأقَلْ

وَمَا طُعِنْ فيهِ لعينِ الكَذِبِ فمتنُهُ مَوْضُوعُ [2] أهلِ الرِّيَبِ

(1) المدلس: هو الحديث الذي أُخفي عيب في إسناده لكي يصبح ظاهره حسنا. وهو قسمان:

(1) تدليس الإسناد: وهو أن يروي الراوي عمّن سمع منه ما لم يسمع منه دون أن يذكر أنه سمعه منه صراحة وذلك بأن يأتي بلفظ موهم لسماع مثل"عن"أو"أن"أو"قال"وقيل: هو ما رواه الراوي عمّن لقيه ولم يسمع منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه سمع منه بصيغة لا تقتضي اتصالا إلا كعن فلان وقال فلان وأنّ فلانا قال كذا.

(2) تدليس الشيوخ: وهو أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به، كي لا يُعرف ولا يُهتدى إليه، وتوعيرا للوقوف على حاله، وفي هذا النوع تضييع للمروي عنه؛ لأن الراوي لما وصفه بما لم يشتهر به، فكأنما لم يذكره فقد ضيّعه، وتضييع المروي أيضا بسبب عدم التنبيه لذلك الموصوف بما لم يشتهر به فيصير بعض رواته مجهولا فلا يُقبل ذلك الحديث.

وهناك أقسام أخرى للتدليس تتبع القسم الأول، وهي: تدليس التسوية: وهو رواية الراوي عن شيخه ثم إسقاط راو ضعيف بين ثقتين، لقيا أحدهما الآخر، وأشهر من كان يفعل هذا النوع بقية بن الوليد

= و تدليس العطف: هو أن يروي الراوي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه فيكون قد سمع من أحدهما دون الآخر فيصرّح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه فيوهم أنه حدّث عنه بالسماع أيضا وإنما حدّث بالسماع عن الأول ونوى العطف فقال: وفلان أي وحدّث فلان (حدّثنا فلان وفلان)

و تدليس القطع: وهو أن يسقط الراوي أداة الرواية كحدثنا وأخبرنا مثلا مقتصرا على اسم الشيخ، وقال بعض المحدثين: التحقيق أنه ليس في التدليس إلا قسمان، تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وأما تدليس التسوية فيدخل في القسمين، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة تسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند، وقدذم أكثر العلماء التدليس بقسميه وهو مكروه جدا، وممن بالغ في ذمه شعبة بن الحجاج، فروى الشافعي عنه أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أدلّس. قال ابن الصلاح: هذا من شعبة إفراط معمول على المبالغة في الزجر عنه، والتنفير منه. الأسئلة السنية على المنظومة البيقونية، ص 23 ـ 24

(2) الموضوع: هو الكلام الذي اختلقه وافتراه واحد من الناس، ونسبه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سواء كان عمدا أو خطأ. ويعرف الوضع بوجود علامات في السند أو في المتن:

(1) علامات الوضع في السند: يعرف الوضع في السند بعلامات عدة وهي: (أ) أن يكون راويه كذابا معروفا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره. (ب) أن يعترف واضعه بالوضع، ويقرّ بذلك، كحديث فضائل القرآن اعترف بوضعه ميسرة. (ج) ما يتنزل منزلة إقراره، أو بإقراره حالا. قال الحافظ العراقي:"هو كأن يحدث بحديث عن شيخ، ثم يُسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده، يتنزل منزلة إقراره بالوضع لأن ذلك الحديث لا يُعرف إلا برواية هذا الذي حدّث به"، (د) وجود قرينة في الراوي تقوم مقام الوضع: من أمثلة ذلك ما أسنده الحاكم عن يوسف ابن عمر التميمي قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاء ابنه من الكتّاب يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: معلموا صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين"و مثل ذلك حديث"الهريسة تشدّ الظهر"فإنّ واضعه محمد بن الحجاج النّخعي، كان يبيع الهريسة"

(2) علامات الوضع في المتن (أ) ركاكة اللفظ: بحيث يُدرك العليم بأسرار البيان العربي أن مثل هذا اللفظ ركيك، لا يصدر عن فصيح ولا بليغ، فكيف بسيّد الفصحاء والبلغاء ? ومحل هذا إن وقع التصريح بأنه لفظ النبي، ولم يروه بالمعنى (ب) فساد المعنى: بأن يكون الحديث مخالفا لبديهيات العقول من غير أن يمكن تأويله مثل ذلك حديث:"إنّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلّت عند المقام ركعتين"أو يكون مخالفا للقواعد العامة في الحكم والأخلاق مثل:"جور الترك ولا عدل العرب، أو داعيا إلى الشهوة والمفسدة: مثل:"النظر إلى الوجه الحسن يجلي البصر"، أو مخالفا للحس والمشاهدة: مثل:"لا يولد بعد المائة مولود لله فيه حاجة"، أو مخالفا لقواعد الطب المتفق عليها: مثل:"الباذنجان شفاء من كل داء"، أو مخالفا لقطعيات التاريخ أو سنة الله في الكون والإنسان: مثل: حديث"عوج ابن عنق، وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنّ نوحا لما خوّفه الغرق قال: احملني في قصعتك هذه -يعني السفينة- وأنّ الطوفان لم يصل إلى كعبه، وأنه كان يُدخل يده في البحر فيلتقط السمكة من قاعة ويشويها قرب الشمس"، أو يكون مشتملا على سخافات وسماجات يُصان عنها العقلاء، مثل:"الديك الأبيض حبيبي وحبيب حبيبي جبريل"ومثل"اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجن عن صبيانكم""

(3) مخالفته لصريح القرآن بحيث لا يقبل التأويل مثل"ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة أبناء"فإنه مخالف لقوله تعالى ?ولا تزر وازرة وزر أخرى?

(4) مخالفته لصريح السنة المتواترة: مثل:"إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أم لم أحدّث"فإنه مخالف للحديث المتواتر:"من كذب عليذ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار"

(5) أن يكون مخالفا للقواعد العامة المأخوذة من القرآن والسنة: مثل"من ولد له مولود فسماه محمدا كان هو ومولوده في الجنة"فإنه مخالف للمعلوم المقطوع به من أحكام القرآن والسنة، من أن النجاة بالأعمال الصالحة لا بالأسماء والألقاب، ومنها أن يكون مخالفا للإجماع، أو أن يكون موافقا لمذهب الراوي، أو أن يتضمن الحديث أمرا من شأنه أن تتوفر الدواعي على نقله ثم لا يشتهر ولا يرويه إلا واحد ومنها اشتمال = = الحديث على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير والمبالغة في الوعيد الشديد على الأمر الحقير مثل:"من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أُعطي ثواب سبعين نبيا"ومثل:"من قال: لا إله إلا الله، خلق الله تعالى له طائرا له سبعون ألف لسانا لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون له"، ومنه من الأمور الكلية التي يعرف بها الحديث الموضوع: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، أوأن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق، أو أن يكون الحديث باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مخالفة الحديث لصريح القرآن، أو سماجة الحديث وكونه يسخر منه وغير ذلك. الأسئلة السنية على المنظومة البيقونية، ص 33 ـ 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت