وقال أيضا: دعانا بعض الفقراء إلى دعوة ب"زقاق القناديل"بمصر، فاجتمع بها جماعة من المشايخ، فقدم الطعام، وعجرت الأوعية، وهناك وعاء زجاج جديد، قد اتخذ للبول، - ولم يستعمل بعد - فغرف فيه رب المنزل الطعام، فالجماعة يأكلون، وإذا الوعاء يقول: منذ أكرمني الله بأكل هؤلاء السادة مني لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك محلًا للأذى، ثم انكسر نصفين.
قال:فقلت للجميع: سمعتم ما قال الوعاء ؟ قالوا:نعم. قلت: ما سمعتم ؟ قال:فأعاد القول الذي تقدم. قال: فقلت:قال قولًا غير ذلك. قلت: وما هو ؟ قلت: قال كذلك قلوبكم مُنْكِرة ، قد أكرمها الله تعالى بالإيمان ، فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون محلًا لنجاسة المعصية ، وحب الدنيا ..
أورد هاتين الحكايتين عن ابن عربي: الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في (( لطائف المنن ) )والعلامة قاضي القضاة شرف الدين البارزي في كتابه (( توثيق عرى الإيمان ) ).
و قال الحافظ محب الدين بن النجار في (( ذيل تاريخ بغداد ) ): محمد بن علي بن محمد بن عربي أبو عبد الله الطائي من أهل الأندلس. ذكر لي أنه ولد بمرسية في ليلة الاثنين سابع عشر من رمضان سنة ستين وخمسمائة. و نشأ بها، وانتقل إلى أشبيلية في سنة ثمان وسبعين، فأقام بها إلى سنة ثمان وتسعين. ثم دخل بلاد الشرق، وطاف بلاد الشام، ودخل بلاد الروم. وكان قد صحب الصوفية، وأرباب القلوب، وسلك طريق القوم، وحج وصنف كتبًا في علوم القوم، وفي أخبار مشايخ الغرب، وزُهَّادها، وله أشعار حسنة، وكلام مليح. اجتمعت به بدمشق، وكتبت عنه أشياء من شعره، ونعم الشيخ هو. دخل بغداد، وحدَّث بها بشيء من مصنفاته، وكتب عنه الحافظ أبو عبد الله بن الدبيثي.
و من شعره ما أنشدني لنفسه قوله:
أيا حائرًا ما بين علم وشهوة *** ليتصلا ما بين ضدين من وصل
و من لم يكن مستنشق الريح لم يكن *** يرى الفضل للمسك العتيق على الزبل