، وقول عبد البر: إنّ المضاف عامل في المضاف إليه دائما، فلم يبق للتقييد فائدة، يقال عليه: يا مسكين! ضللت عن سواء السبيل، فإن العمل الذي يعمله المضاف في المضاف إليه دائما هو عمل الجر في لفظه، الذي هو يقتضي الإضافة، وليس ذلك مرادًا هنا، إنما المقصود عمله في محله، الرفع على الفاعلية، أو النصب على المفعولية، كما هو شأن إضافة المصادر والصفات؛ ليكون في معنى الفاعل، أو المفعول؛ حتى يصح مجيء الحال منه، فأين هذا من ذاك، هذا أمر، وذاك أمرآخر يا تائه، سارت مُشَرِّقةً وسرتَ مغربا، ومَن هذا مَبْلغ علمه وفهمه، يتصدّى للمجتهدين، ويردُّ عليهم بجهل!! حقُّ مثل هذا أنْ يسكت ذليلا خاسئا، والعجب من هذا الذي يتكلم بمثل هذه الخباطات، ومن طلبه لمناظرتي، وقوله في حضرة المقر الأشرف القاضي كاتب السِّر الشريف، أطال الله بقاءه، لا عبرة بالكتابة، إنما المقصود للسان، فبالله يا أولي الألباب مَن أناظر، أو مَن أخاطب، أكلِّم مَن لم يتقن مسألة من الواضحات، بحيث التبس عليه كلام النحاة فيها، وظنَّ الصحيح فاسدا، والحق باطلا، وإذا كان هذا كلام عين من الأعيان ممن حدث نفسه بولاية القضاء الأكبر، ومشيخة الشيخونية [1] في فن العربية، الذي هو أدنى علوم المجتهد، فكيف لو نقلته إلى دقيقة من دقائقها، أو رقيت به إلى دقائق البيان، أو دقائق الأصول، أو دقائق الاستنباط! الذي هو مَلَكَة اوتيها المجتهد منحة ربانية، وليس هو علما مدوَّنًا في كتب، إنما هي قوة أودعها الله في المجتهدين، ما لهذا وأمثاله عندي إلاّ السكوت، وعدم الالتفات، والإعراض؛ عملًا بالآية الكريمة [2] .
قول المعترض: قوله: والحال لا يأتي من الخبر إطلاق في موضع التقييد، فإنه إذا كان الخبر في معنى المفعول جاءت الحال منه.
أقول: المقام تخصيص، وقد ذُكر عقبه ما يُفهم منه التقييد.
قول / المعترض: فحينئذ تدافع كلامك. ... 8 ب
أقول: إنما يقع التدافع بين الكلامين إذا كانا متباينين، وأمَّا إذا كان إطلاق وتقييد، وعموم وخصوص، فإنه يُحمل المطلق على المقيَّد، والعام على الخاص، ولا يُعدُّ تدافعا، خصوصا إذا كان الكلامان في سطر واحد، وإلاّ فيلزم إفساد كلام كثير من العلماء، وإلغاء قاعدة حمل المطلق على المقيد.
قول المعترض: هذا يؤخذ من تمثيل الأجرومية ... الخ.
أقول: هذا تصديق لقولي: لا نقض له، ولا على إذا قررت حقا من كونه في أصغر المختصرات، فإنّ ذلك شاهد بصحته، فإن قال المُعترض: أردت بذكر الاعتراض بذلك أنه
(1) المدرسة الشيخونية من أشهر المدارس في العالم الإسلامي في عصر السيوطي، ومقرها القاهرة.
(2) يعني قوله: [وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا] الفرقان 63